وهذا أمر لا يتم إلا بمعرفة قبلية سابقة على التجربة بأن شيئا يحدث عن علة سابقة ، وهذا أمر تدل عليه التجربة ؛ أما أن ثمة ضرورة لهذا ، فهذا أمر يدرك قبل التجربة ، أعني بالعقل النظري المحض .
ولهذا فإن الحرية هي فكرة للعقل فحسب ، مشكوك في حقيقتها الموضوعية ، أما الطبيعة فتصور للذهن يبرهن ويجب لا محالة أن يبرهن على حقيقته بواسطة الشواهد التي تقدمها التجربة . .
وها نحن أولاء بإزاء نقيضة بين الحرية وبين الضرورة الطبيعية ، وعلى العقل أن يعمل على حلها ، بأن يبين أنه لا يوجد تناقض حقيقي بين الحرية وبين الضرورة الطبيعية للأفعال الإنسانية ، لأنه لا يستطيع أن يتخلى عن تصور الطبيعة ولا عن تصور الحرية .
ولا سبيل إلى حل هذا التناقض إلّا بالقول بأننا حين نصنّف الإنسان بأنه حر فإننا نتصوره على نحو ما ، بينما حين نقول عنه إنه خاضع لقوانين الطبيعة بوصفه جزءا منها فإننا نتصوره على نحو آخر . فمن حيث المعنى الأول :
الإنسان يتصور على أنه عقل . « والانسان الذي يعدّ نفسه على هذا النحو بوصفه عقلا سيستقر في نظام آخر من الأشياء وفي علاقة بمبادىء محدّدة من نوع آخر مختلف تماما ، والذي يتصور نفسه عقلا مزودا بإرادة وبالتالي بعليّة ، نقول إن الإنسان الذي يتصور نفسه على هذا النحو يختلف تماما عنه حين يتصور نفسه ظاهرة في العالم المحسوس ( وهو فعلا كذلك ) ، ويخضع عليّته إلى قوانين الطبيعة ، وفقا لتحديد خارجي . وعما قليل سيدرك أن التصوّرين يمكن بل ويجب أن يتمشيا معا . . . فإنّ على الانسان أن يتصور نفسه على هذا النحو المزدوج ، هذا أمر يتأسس من ناحية على شعوره بذاته بوصفه موضوعا متأثرا بالحواس ، ومن ناحية أخرى على شعوره بذاته بوصفه عقلا ، أي موجودا مستقلا - في استعماله لعقله - عن الانطباعات الحسّية » « 1 » .
هامش
( 1 ) « تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق » - ترجمة فرنسية ص 199 - 200 .