تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأخلاق عند كنت — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
ويؤيد صحّة هذا الإستدلال طريقة استعمال الرجل العادي لعقله . فإن أخسّ الناس وأوغلهم في السفالة والشرّ يقرّ قطعا بسموّ الفضائل التي نعرض عليه نماذجها ؛ وهذا يدلّ على أن في عقله فكرة تختلف عن أفعاله ورغباته وميوله الفعلية : إنه يتمنى لو استطاع أن يسلك مسلك النماذج العالية التي نقدمها إليه . « صحيح أنه لا يستطيع - بسبب ميوله ونوازعه - أن يحقق هذا المثل الأعلى في شخصه ؛ لكنه برغم ذلك يتمنى لو استطاع أن يتحرر في الوقت نفسه من هذه الميول التي تبهظ كاهله . وهو بهذا يشهد على أنه ينتقل بفكره ، وذلك بإرادة حرة من دوافع الحساسية ، إلى نظام من الأشياء مختلف تماما عن ذلك الذي تتألف منه رغباته في ميدان الحساسية ، لأنه لا يستطيع أن يتوقع من هذا التمني أيّ اشباع لشهواته ، وبالتالي أي إرضاء لواحد من ميوله الفعلية أو المتخيّلة . . . ولا يستطيع أن يتوقع من ذلك غير مزيد من القيمة الذاتية لشخصه . وهو سيعتقد أنه ذلك الشخص الأفضل ، إذا نظر إلى نفسه من حيث هو عضو في العالم المعقول ، وهو ما تفرضه عليه رغم أنفه : فكرة الحرية ، أي الاستقلال تجاه العلل المحدّدة للعالم المحسوس ؛ ومن هذه الناحية ، يكون على شعور بإرادة خيّرة تؤلف ، باعترافه هو ، قانونا للإرادة الشريرة التي عنده بوصفه عضوا في العالم المحسوس : قانونا يعترف بسلطانه رغم أنه ينتهكه » « 1 » . إن الناس يتصورون أنفسهم أحرارا في إرادتهم . لكن هذه الحرية ليست تصورا منتزعا من التجربة ، بل ولا يمكن أن تكون كذلك ، لأن هذا التصور يظل باقيا دائما ، بالرغم من أن التجربة تكشف عن عكس ما كان يجب أن يحدث إذا افترضنا أنفسنا أحرارا . ومن الضروري أيضا أن يحدث كل شيء وفقا لقوانين الطبيعة ، وهذه الضرورة الطبيعية هي الأخرى ، شأنها شأن الحرية ليست تصورا مستمدا من التجربة لأن تصورها يتضمن في ذاته تصور الضرورة ،
هامش
( 1 ) « تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق » - ص 195 - 196 من الترجمة الفرنسية .