عضو في العالم الحسّي ، فإن الكائن العاقل خاضع لقوانين الطبيعة ، وهي بالنسبة إلى ارادته ليست إلا مبادئ للتشريع غير الذاتي ، هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى هي تفيد في تفسير أفعالها بوصفها ظواهر ذات علاقة بظواهر أخرى .
ولهذا يزول الدور الفاسد الذي أشرنا إليه منذ قليل ، ولم يعد هناك دور فاسد لأن الإنسان بتصوره لنفسه حرّا يعتبر نفسه منتسبا إلى العالم المعقول وحده ، وبتصوره لنفسه خاضعا للواجب يعتبر نفسه خاضعا لكلا العالمين : المعقول والمحسوس على السواء .
وبهذا التمييز نفسه بين العالم المعقول والعالم المحسوس يمكن اثبات الآمر المطلق : ذلك لأن فكرة العالم المعقول ، المتضمنة في تصور الحرية ، تسمح بأن نربط بفكرة الإرادة الخيرة فكرة الإرادة التي تؤسس بقواعدها تشريعا كليا . والإرادة الخيرة تفعل وفقا لقوانين كلية لأن هذه القوانين تعبّر عما تريده هذه الإرادة الخيّرة في العالم المعقول الذي هي جزء منه . ولو كان الانسان ينتسب إلى العالم المعقول وحده لجاءت كل أفعاله مطابقة لمبدأ التشريع الذاتي للإرادة المحضة . لكن الإنسان ينتسب إلى العالم المحسوس أيضا ؛ ولو كان لا ينتسب إلّا إلى العالم المحسوس وحده ، لجاءت أفعاله وفقا لقانون الرغبات والميول ، ولما كان لها من قاعدة غير السعادة ، وكانت مبادئها كلها مبادئ التشريع غير الذاتي . لكن الإنسان ينتسب إلى كلا العالمين معا : المعقول والمحسوس ، وأولهما أساس الثاني ، ولهذا فإن عليه أن يقرّ بأن أفعاله يجب أن تأتي مطابقة لقانون العالم المعقول .
وبهذا نفهم دعوى كنت أن المبدأ الأخلاقي قضية تركيبية قبلية : إذ ينضاف إلى فكرة الإرادة المتأثرة بالرغبات الحسيّة : فكرة هذه الإرادة نفسها وهي تعدّ جزءا من العالم المحسوس ، كما تنضاف إلى عيانات العالم المحسوس تصورات الذهن في ميدان المعرفة النظرية .
الأخلاق عند كنت — صفحة 99
مساهمون: عبد الرحمن بدوي
ص٩٩