والقوّة ثلاث درجات : الأولى ، أن يكون حاله في حقّ اللّه والثقة بعنايته وكفالته كحاله بالثقة بالوكيل ، وهذه أضعف الدرجات ، ويكثر وقوعها ويدوم مدّة مديدة . . .
الثانية ، أن يكون حاله مع اللّه كحال الطفل مع امّه ، فإنّه لا يعرف غيرها ، ولا يفزع إلّا إليها ، ولا يعتمد إلّا عليها ، فإن رآها تعلّق في كلّ حال بذيلها ، وإن ورد عليه أمر في غيبتها كان أوّل سابق لسانه يا امّاه .
والفرق بين هذا وسابقه ؛ أنّ هذا متوكّل قد فنى في موكّله عن توكّله ، أي ليس يلتفت قلبه إلى التوكّل ، بل التفاته إنّما هو إلى المتوكّل عليه فقط ، فلا مجال في قلبه لغير المتوكّل عليه ، وأمّا الأوّل فتوكّل بالكسب والتكلّف ، وليس فانيا عن توكّله ، أي له التفات إلى توكّله ، وذلك شغل صارف عن ملاحظة المتوكّل عليه وحده ، وهذا أقلّ وقوعا ودواما من الأوّل ، إذ حصوله إنّما هو للخواصّ ، وغاية دوامه أن يدوم يوما أو يومين ، وينافي التدبيرات ، إلّا تدبير الفزع إلى اللّه بالدعاء والابتهال ، كتدبير الطفل في التعلّق بامّه فقطّ .
الثالثة ، وهي أعلى الدرجات ، أن يكون بين يدي اللّه في حركاته وسكناته مثل الميّت بين يدي الغاسل ، بأن يرى نفسه ميّتا ، وتحرّكه القدرة الأزليّة كما يحرّك الغاسل الميّت ، وهو الذي قويت نفسه ، ونال الدرجة الثالثة من التوحيد .
والفرق بينه وبين الثاني ؛ أنّ الثاني لا يترك الدعاء والتضرّع كما أنّ الصبيّ يفزع إلى امّه ، ويصيح ويتعلّق بذيلها ويعدو خلفها ، وهذا ربما يترك الدعاء والسؤال ثقة بكرمه وعنايته ، فهذا مثال صبيّ علم أنّه إن لم يرص بامّه فالأمّ تطلبه ، وإن لم يتعلّق بذيلها فهي تحمله ، وإن لم يسأل اللبن فهي تسقيه .
ومن هذا القسم توكّل إبراهيم الخليل عليه السّلام لمّا وضع في المنجنيق ليرمى به إلى النار ، وأشار إليه روح الأمين بسؤال النجاة والاستخلاص من اللّه سبحانه ، فقال :
« حسبي من سؤالي علمه بحالي » وهذا نادر الوقوع ، عزيز الوجود ، فهو مرتبة
ينابيع الحكمة — صفحة 319
مساهمون: عباس الإسماعيلي اليزدي
ص٣١٩