وإن كان في الذاكرين لم يكتب من الغافلين ، يعفو عمّن ظلمه ، ويعطي من حرمه ، ويصل من قطعه ، بعيدا فحشه ، ليّنا قوله ، غائبا منكره ، حاضرا معروفه ، مقبلا خيره ، مدبرا شرّه ، في الزلازل وقور ، وفي المكاره صبور ، وفي الرخاء شكور .
لا يحيف على من يبغض ، ولا يأثم فيمن يحبّ ، يعترف بالحقّ قبل أن يشهد عليه ، لا يضيّع ما استحفظ ، ولا ينسى ما ذكّر ، ولا ينابز بالألقاب ، ولا يضارّ بالجار ، ولا يشمت بالمصائب ، ولا يدخل في الباطل ، ولا يخرج من الحقّ ، إن صمت لم يغمّه صمته ، وإن ضحك لم يعل صوته ، وإن بغي عليه صبر حتّى يكون اللّه هو الذي ينتقم له ، نفسه منه في عناء والناس منه في راحة ، أتعب نفسه لآخرته ، وأراح الناس من نفسه ، بعده عمّن تباعد عنه زهد ونزاهة ، ودنوّه ممّن دنا منه لين ورحمة ، ليس تباعده بكبر وعظمة ، ولا دنوّه بمكر وخديعة .
قال : فصعق همّام صعقة كانت نفسه فيها ، فقال أمير المؤمنين عليه السّلام : أما واللّه لقد كنت أخافها عليه ، ثمّ قال : هكذا تصنع المواعظ البالغة بأهلها .
فقال له قائل : فما بالك يا أمير المؤمنين ؟ فقال عليه السّلام : ويحك ، إنّ لكلّ أجل وقتا لا يعدوه ، وسببا لا يتجاوزه ، فمهلا لا تعد لمثلها فإنّما نفث الشيطان على لسانك . « 1 »
بيان :
قد مرّ بيان بعض ألفاظ الحديث في بابي الإيمان ف 3 والشيعة ف 2 .
« حتّى عزم عليه » : أقسم عليه ، أي الإمام عليه السّلام . « وضعهم من الدنيا مواضعهم » :
المراد بمواضع الخلق مراتبهم ، وهي إشارة إلى الدرجات الدنيويّة كالغنى والفقر ، والصحّة والمرض ، أو الدينيّة لاختلاف استعدادهم وقابليّاتهم في العلم والعمل ، أو الأعم منهما وهو الأظهر . « ملبسهم الاقتصاد » الملبس : ما يلبس أي يكون
هامش
( 1 ) - نهج البلاغة ص 611 خ 184 ( شرح ابن أبي الحديد ج 10 ص 132 خ 186 وصبحي ص 303 خ 193 )