تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ينابيع الحكمة — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
أرادتهم الدنيا فلم يريدوها ، وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها . أمّا الليل فصافّون أقدامهم ، تالين لأجزاء القرآن ؛ يرتّلونه ترتيلا ، يحزّنون به أنفسهم ، ويستثيرون به دواء دائهم ، فإذا مرّوا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا ، وتطلّعت نفوسهم إليها شوقا ، وظنّوا أنّها نصب أعينهم ، وإذا مرّوا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم ، وظنّوا أنّ زفير جهنّم وشهيقها في أصول آذانهم ، فهم حانون على أوساطهم ، مفترشون لجباههم وأكفّهم وركبهم وأطراف أقدامهم ، يطلبون إلى اللّه تعالى في فكاك رقابهم . وأمّا النهار فحلماء علماء أبرار أتقياء ، قد براهم الخوف برى القداح ، ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض ، ويقول : لقد خولطوا ولقد خالطهم أمر عظيم ؛ لا يرضون من أعمالهم القليل ، ولا يستكثرون الكثير ، فهم لأنفسهم متّهمون ، ومن أعمالهم مشفقون ، إذا زكّي أحد منهم خاف ممّا يقال له ، فيقول : أنا أعلم بنفسي من غيري ، وربّي أعلم بي منّي بنفسي ، اللهمّ لا تؤاخذني بما يقولون ، واجعلني أفضل ممّا يظنّون ، واغفر لي ما لا يعلمون . فمن علامة أحدهم : أنّك ترى له قوّة في دين ، وحزما في لين ، وإيمانا في يقين ، وحرصا في علم ، وعلما في حلم ، وقصدا في غنى ، وخشوعا في عبادة ، وتجمّلا في فاقة ، وصبرا في شدّة ، وطلبا في حلال ، ونشاطا في هدى ، وتحرّجا عن طمع ، يعمل الأعمال الصالحة وهو على وجل ، يمسي وهمّه الشكر ، ويصبح وهمّه الذكر ، يبيت حذرا ويصبح فرحا ؛ حذرا لما حذر من الغفلة ، وفرحا بما أصاب من الفضل والرحمة ، إن استصعبت عليه نفسه فيما تكره لم يعطها سؤلها فيما تحبّ ، قرّة عينه فيما لا يزول ، وزهادته فيما لا يبقى . يمزج الحلم بالعلم ، والقول بالعمل ، تراه قريبا أمله ، قليلا زلله ، خاشعا قلبه ، قانعة نفسه ، منزورا أكله ، سهلا أمره ، حريزا دينه ، ميّتة شهوته ، مكظوما غيظه ، الخير منه مأمول ، والشرّ منه مأمون ، إن كان في الغافلين كتب في الذاكرين ،