وإن شئت قلت في عيسى بن مريم عليه السّلام ، فلقد كان يتوسّد الحجر ، ويلبس الخشن ، ويأكل الجشب ، وكان إدامه الجوع ، وسراجه بالليل القمر ، وظلاله في الشتاء مشارق الأرض ومغاربها ، وفاكهته وريحانه ما تنبت الأرض للبهائم ، ولم تكن له زوجة تفتنه ، ولا ولد يحزنه ، ولا مال يلفته ، ولا طمع يذلّه ، دابّته رجلاه ، وخادمه يداه . . . « 1 »
بيان : « مخازيها » : المخزية على صيغة اسم الفاعل : الخصلة القبيحة ، والجمع المخزيات والمخازي ، وقد يكون الخزي بمعنى الفضيحة ، ولعلّه المراد هنا . « وطّئت » وطّأ الأمر :
مهّده . « أكنافها » : جوانبها . « زوى » الشيء : منعه « شفيف » : رقيق ، يستشفّ ما وراءه .
« الصفاق » : الجلد الباطن الذي فوقه الجلد الظاهر من البطن . « تشذّب اللحم » :
تفرّقه . « سفائف الخوص » : أي منسوجات الخوص ، والخوص ورق النخل .
« الجشب » : طعام الغليظ والخشن وقد يقال للذي ليس معه إدام . « الظلال » : جمع الظلّ ، بمعنى الكنّ والمأوى ، وما يستظلّ به من الحرّ أو البرد ( سايهبان ) ومن كان ظلاله المشرق والمغرب فلا كنّ له ولا مأوى .
[ 3488 ] 31 - وقال عليه السّلام في ذمّ الدنيا : دار بالبلاء محفوفة ، وبالغدر معروفة ، لا تدوم أحوالها ، ولا تسلم نزّالها ، أحوال مختلفة ، وتارات متصرّفة ، العيش فيها مذموم ، والأمان منها معدوم ، وإنّما أهلها فيها أغراض مستهدفة ، ترميهم بسهامها ، وتفنيهم بحمامها .
واعلموا عباد اللّه ، أنّكم وما أنتم فيه من هذه الدنيا على سبيل من قد مضى قبلكم ، ممّن كان أطول منكم أعمارا ، وأعمر ديارا وأبعد آثارا ، أصبحت
هامش
( 1 ) - نهج البلاغة ص 507 في خ 159