من اتّقى اللّه عزّ وقوي وشبع وروي ، ورفع عقله عن أهل الدنيا ، فبدنه مع أهل الدنيا وقلبه وعقله معاين الآخرة ، فأطفأ بضوء قلبه ما أبصرت عيناه من حبّ الدنيا .
فقذّر حرامها وجانب شبهاتها ، وأضرّ واللّه بالحلال الصافي إلّا ما لا بدّ له من كسرة [ منه ] يشدّ بها صلبه وثوب يواري به عورته ، من أغلظ ما يجد وأخشنه ، ولم يكن له فيما لا بدّ له منه ثقة ولا رجاء ، فوقعت ثقته ورجاؤه على خالق الأشياء ، فجدّ واجتهد وأتعب بدنه حتّى بدت الأضلاع وغارت العينان فأبدل اللّه له من ذلك قوّة في بدنه وشدّة في عقله وما ذخر له في الآخرة أكثر ، فارفض الدنيا فإنّ حبّ الدنيا يعمي ويصمّ ويبكم ويذلّ الرقاب . . . « 1 »
[ 3467 ] 10 - قال أبو عبد اللّه عليه السّلام : مثل الدنيا كمثل ماء البحر كلّما شرب منه العطشان ازداد عطشا حتّى يقتله . « 2 »
بيان : في المرآة ، « ماء البحر » : أي المالح ، وهذا من أحسن التمثيلات للدنيا . . .
[ 3468 ] 11 - قال أبو عبد اللّه عليه السّلام : مرّ عيسى بن مريم عليه السّلام على قرية قد مات أهلها وطيرها ودوابّها ، فقال : أما إنّهم لم يموتوا إلّا بسخطة ، ولو ماتوا متفرّقين لتدافنوا ، فقال الحواريّون : يا روح اللّه وكلمته ، ادع اللّه أن يحييهم لنا فيخبرونا ما كانت أعمالهم فنجتنبها ، فدعا عيسى عليه السّلام ربّه ، فنودي من الجوّ : أن نادهم ، فقام عيسى عليه السّلام بالليل على شرف من الأرض ، فقال : يا أهل هذه القرية ، فأجابه منهم مجيب ، لبّيك يا روح اللّه وكلمته ، فقال : ويحكم ما كانت أعمالكم ؟ قال : عبادة الطاغوت وحبّ الدنيا مع خوف قليل وأمل بعيد وغفلة في لهو ولعب ، فقال : كيف
هامش
( 1 ) - الكافي ج 2 ص 110 ح 23
( 2 ) - الكافي ج 2 ص 110 ح 24