ولكنّه من ناحية أخرى لا ينفي أثر المادّة في حياة الإنسان ولا يراها غير مقبولة أي لا يراها مرفوضة بالكليّة ، بل يرفض الإنطوائية السلبية والحرمان من اللذائذ المشروعة : (
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ ؟ ! قُلْ : هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ ، كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
) « 1 » .
والاستسلام أمام اللذائذ المادية الفانية يعني تذليل العقول وجعل المادّة أصلا في الحياة . إنّ زينة متاع الدنيا إنّما تخيّم على قلوب أهل الخواء والضلال من غير ذوي الإرادة الجدّية ، فتحول دون إشعاع الأنوار الإلهية فيها ، وبذلك تبقى محرومة عن الأفكار البنّاءة من حيث لا تشعر .
وبناء على هذا ، فإنّ الإسلام يمنح الإنسان الشخصية السليمة ، وقوة الفكر ، والثبات على القيم السامية ، لكي يؤدّي الإنسان دوره الأساس في بناء نفسه ومجتمعه بصورة صحيحة ، ولكي يتحرّر من أسار الأهواء من دون أن يحرم من اللذائذ المادية .
إنّ الإنسان الذي يعرّفه الإسلام نموذجا كاملا للتربية التامة ، إنّما هو عنصر متفكر إيجابيّ فعّال ومهذّب ، إنّه إنسان يرى فيه الإعتدال والانسجام في إدراكه وأفكاره وسلوكه ، وفي كل جوانب حياته . وإنّ روحه الحرة والمربّاة جيّدا تقيم فيه توازنا لا يتمكن به الإنسان من أن يمتنع عن الانغماس في عالم المادة والتمتّعات الأرضية في سبيل أهدافه المقدسة فحسب ، بل يقدر به على أن ينتشل نفسه من ثقل التربة فيصعد بها إلى أوج الرقيّ والكمال .
وإنّ أولى مراحل الرّقيّ إلى الكمالات والفضائل الإنسانية في تعاليم الإسلام هي تزكية النفس ، وقد ذكرت في القرآن الكريم كمقدمة لتعليم الإنسان وحصوله على المعارف العلمية :
هامش
( 1 ) سورة الأعراف : الآية 31 .