أمّا الأنظمة التربوية التي هي من صنع أفكار الإنسان وصياغته ، فليس لها تلك القدرة الكافية على أن تحدّ من غلواء النفس والحرص البشريّ العاتي ، إذ إنّ النظام التربوي والعلمي الحديث إنّما يستلهم من قوتي العقل والعلم ، من دون الإيمان باللّه تعالى .
ويقول الفيزيائي الألمانيّ المعروف ( ماكس بلانك ) :
« إنّ الإنسان من أجل حياته اليومية بحاجة إلى أصول ضرورية ، هي أكثر ضرورة له من عطشه إلى المعرفة العلمية ، ولا بدّ أن تقع تلك الأصول تحت تصرّف الإنسان ، ناشئة من منشأ هداية أخرى سوى الجهاز العقلي فيه .
يجب أن يترك العقل مجالا لقانون الأخلاق ، وكذلك المعرفة العلمية تترك مجالا للعقيدة الدينية » « 1 » .
وعلى هذا فما لم تسطع أنوار الهداية في آفاق الأرض ، ولم تحيى القلوب بنموّ الدوافع الدينية ، فإنّ الأصول والأسس الوضعية البشرية لا تستطيع أن تحدث في المجتمع الإنساني حالة قوية ليتصف بالخصال السامية ، وليتحمّل ثقل الحضارة والمسؤوليات الكبيرة .
ونلاحظ أنّ الإسلام لم يأمر أتباعه بالابتعاد عن اللذائذ المشروعة التي خلقها اللّه لعباده ، أبدا .
أجل ، إنّ القرآن الكريم يقول من ناحية : إنّ الانغماس في أمواج الأهواء العاتية والغطّ في نوم الغفلة عن واقعيات الحياة ، والتفكير المحدود بالمادة فقط ليس مما يناسب ساحة الإنسانية السامية : (
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ، ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا ، وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ
) « 2 » .
هامش
( 1 ) بالفارسية : علم به كجا ميرود : 234 .
( 2 ) سورة آل عمران : الآية 13 .