الذي ينبعث من عمق باطن الإنسان ووجدانه ، والذي هو حقيقة خالدة متمركزة في طينته وخميرته ، فهو متفوّق بذاته على كل الأساليب الأخرى في مجال تربية النفس . وهكذا علينا أن نختاره على جميع ما عداه .
لهذه الحقيقة كان أن اعترف البشر - قبل أن يصبح أسيرا في مخالب المادية اعترف بهيمنة سلطته عليه ، واعتقد بتكاليفه الأصيلة في الحياة والتزم بها بشدة ، وأدركت الأرواح الطاهرة لذّة إطاعته واتّباع أوامره ، بل وصارت قلوبهم متيّمة بحبّه هائمة فيه .
والخلاصة : إنّ هذه الطريقة هي طريقة الوحي والرسالة ، التي تسير بفطرة الإنسان في مساره الواقعي ، والتي يمكنها الإجابة على جميع جهاته الذاتية ، والتي لا هدف لها سوى تنظيم طبيعته وإرشاده إلى جهة سعادته الخالدة والأبدية . وإذا أصبح هذا العامل الدينيّ أساسا للتربية كان بإمكان كل إنسان أن يتقدم في طريق الكمال مصونا في ظلّه عن أيّ انحراف أو انجراف .
إنّ نظرة إلى هذه الحياة التقنية ، والتي هي ظاهرة هذا العصر الحاضر التائه ، توضّح لنا هذه الحقيقة ، وهي : إنّ الإنسان مع ما توصّل إليه من تقدم ملفت للنظر في مجال العلوم العقلية والصناعية ، وما توفّق إليه في طريق اكتشاف أسرار الطبيعة وحلّ معضلات الحياة المادية ، مع ذلك فإنّه قد سلك سبيل الإنحطاط في معرفة نفسه ، فلم ينقذ مهد تربيته ونموّه - أي هذا العالم - من الدّمار والشقاء ، بل أصبحت نفس هذه المعارف والعلوم المختلفة وسائل دمار لتخريب الأوضاع والإخلال بالنظام ، وقد أسرت روح البشر في ساحة حضارة خادعة في حصار جاهلية عميقة .
إنّ العالم الغربيّ جعل الإنسان - في تصنيعه - وسيلة ، وجعل الوسائل أهدافا ، وبنى المجتمعات على أساس النزاع الفرديّ أو الطبقيّ ، ولا ريب في أنّ كلا هذين النوعين من النظام الاجتماعي لا يليقان بالإنسان ، ولا يكون الإنسان إنسانا حتى يحلّ ما بينه وبين الحضارة من تناقض .
رسالة الأخلاق — صفحة 86
مساهمون: السيد مجتبى الموسوي اللاري
ص٨٦