إنّ المعرفة والإطّلاع على كيفية الحوادث من الطرق الأساسية لتقليل الخوف بشكل عام ، والإنسان يقل عليه ضغط ما فيه من خوف باطل بالتدريج موازيا لتقدم العلم ورقيّ المعرفة لديه وتكامل عقله ونموّ رشده ، ولهذا فإنّ كثيرا من العوامل التي كانت في مختلف أدوار حياة البشر أسبابا لخوفه حينما كان وحشيا أو نصف وحشي ، لا معنى للخوف منها لمن يتمتع اليوم من الناس بثمار تكامل العلم ورشد العقل .
لقد أثبتت التجارب أنّ نفس المعرفة تبدّل الوحشة المحطّمة بالطمأنينة والسكون ، وعلى أساس هذه الحقيقة الواقعة يرى جميع علماء النفس أن نفس معرفة الشيء المجهول والتعرف على سبب ظهور الخوف المؤلم مقدمة ضرورية لعلاج الخيالات الموحشة والاضطراب الفكري والقلق .
ولا ينبغي أنّ ننسى نقطة مهمّة هنا هي أنّ الخوف القديم وإن قلّ كثيرا بتقدم العلوم ، لكنّه من ناحية أخرى حدثت أنواع جديدة من الخوف والفزع مكان الخوف القديم متزامنة مع ما حدث في حياة الناس من التطورات الصناعية الجديدة ، ففي المجتمعات الصناعية التي تشكلت من أفراد لا يعرف بعضهم الآخر لا يزال سكّانها يستوحشون يوما بعد يوم بالرغم من تمركز الناس وكثافة السكّان ، ويحرمون من الإقتراب والتآلف والتعارف بين أرواحهم ، قد تبدّلت المعايشة والمعاشرة التي كانت تسود علاقات الناس بالأمس إلى الشعور بالغربة والوحدة ، فكثافة السكّان وتمركزهم أحدث فيهم الابتعاد الروحي والاغتراب فيما بينهم ، ومع أنّهم يعيشون مقتربين لا يعرف بعضهم الآخر من قريب وبصورة عميقة جذرية ، وعند اللزوم يبخلون عن عون الآخرين ومساعدتهم .
وإنّ التنكّر للعواطف ، وللعدل والإحسان ، والابتعاد عن التكاليف والتقوى ، يسبّب الخوف والذعر ، فالخوف - في الحقيقة - من التبعات التي يعاقب الإنسان بها بسبب انحرافه عن مسيرة الفضائل .
يقول أحد المفكّرين الأمريكيّين :
رسالة الأخلاق — صفحة 364
مساهمون: السيد مجتبى الموسوي اللاري
ص٣٦٤