هذا الخيار أمر متتابع ومستمر ، ويجب أن يدوم حتى الموت بما يكون معه الإنسان في كل لحظة أسمى من سابقتها ، وأن لا يصل إلى حالة تقهقر أو تكرار ثابت . والمهمّ - وبالنظر إلى قصر هذه الحياة - هو أن يتمكّن من أن يحصل من هذه الحياة القصيرة على رأسمال لائق للحياة الأبدية ، ولا شك أنّه إذا أحرز السلطة على الأهواء الباطلة ولم يستسلم للمنى المنحرفة لأحرز رأسمال قيّم للحصول على تلك الحياة الخالدة .
إنّ الإسلام يريد أن يضفي صبغة من الإنتظام والدقة لعقل الإنسان بتوصيته بالتدبّر في انتقاء الأصدقاء واختيار المعاشرين ، وأن يعوّده على الانضباط في الأعمال واتّخاذ القرارات ، وأن يوجّه نظره إلى الفضائل الواقعية من خلال ذلك ، فيدرك المراتب الحقيقية السامية ويصل بذلك إلى قمة الكمال الإنساني ، ذلك الكمال الذي لا يقيّم بالمقاييس المادية .
إنّ مصاحبة الملتزمين بالملاحظات الأخلاقية والإنسانية فرصة مؤاتية لتنمية قوى الإنسان الروحية ، فالأفكار تتّسع في ظل أفكارهم العالية ، وينمو حبّ الخير والطهر في قلبه بمعاشرتهم ، وكذلك يدرك الإنسان نقائصه النفسية ويقيس صلاحه بصلاح الرجال الأكفاء ، فإنّه من خلال هذه المقارنة يخرج تدريجيّا من نفوذ الصفات السيّئة ، ويكتسب البصيرة من أعماق روحه .
إنّ العناية بالخصائص الروحية لأصدقاء الإنسان ليست موضوعا جديدا في علم النفس الحديث ، بل إنّ ضرورة التعرّف على نفسيّات من يريد الإنسان اختيارهم بعنوان الأصدقاء ويمتّن العلاقات معهم ، ممّا نراه متوفّرا في النصوص الإسلامية ، وعلم النفس الحديث إنّما له أن يقيّم تلك الأوامر القيّمة بكل احترام وتقدير ، ويكرّر تقرير تلك الإرشادات النافعة والمفيدة بهذا الشأن .
روى النوري في ( مستدرك الوسائل ) عن نبيّ الإسلام ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) أنّه قال :
رسالة الأخلاق — صفحة 314
مساهمون: السيد مجتبى الموسوي اللاري
ص٣١٤