وبعد ذلك تساءلت : هل يحق لي واقعا أن يكون لي مثل هذا التوقع والانتظار في زمن الحرب ؟ أو أنّ توقّعي هذا إنّما ينشأ من حبّ الذّات بصورة حمقاء ؟ ! .
وفهمت فورا أنّ هذا الانتظار توقّع في غير محلّه ، فبينما يكون أخوتي تحت وابل الرصاص والنار فإنّ ما يخصّهم مقدّم بالأولوية على أيّ شيء آخر .
وبمحض ما تبيّن لي الموضوع بهذه الصورة واقتنعت بأنّه لا ينبغي لي أن أتوقع ذلك ، لم أتألم بعد ذلك من تلك المقاعد الضالعة والمؤلمة بل قضيت مدة السفر بالقراءة في بعض كتبي والحديث مع سائر المسافرين وبكل سرور ، ولم يبد لي طول المسافة ، في حين أنّه لم يتبدّل أيّ شيء فلم يصبح المقعد وثيرا ولا قصرت مدة السفر » .
إنّ الراضين عن أنفسهم غير الملتزمين بالحقائق قد يعقّبون من معاشرتهم مع الآخرين أهدافا خاصة ، فيجعلون كل مناسباتهم واتّصالاتهم بالآخرين وسيلة لرفع حاجاتهم ، وهم دائما يبحثون عن أصدقاء يعودون عليهم بالنفع الماديّ فقط ، في حين أنّ الصداقة يجب أن تكون مستقلة عن المقاصد الشخصية النفعية الضيّقة .
هؤلاء لا يعقدون المودّة مع من لهم نيّات صادقة وأحاسيس طاهرة من دون أن تترتّب على صداقتهم فوائد ماديّة ، ولذلك فإنّ علاقاتهم مع أصدقائهم إنّما تبقى ثابتة فيما إذا جلبت لهم نفعا مادّيا . أمّا إذا لم يتوصّلوا إلى أهدافهم المطلوبة لهم من خلال هذه الصداقة ورأوا أنّ تلك الصداقة لا تدور حول أقطاب أهدافهم ، فإنّ برودة أو فتورا خاصّا يخلف مكان العلاقة الحميمة السابقة ، بل يقطعون حبل نفاقهم القصير .
وحينما يكون التلوّث وعدم الثّبات سائدا في جميع شؤون الحياة الاجتماعية ، فطبيعي أنّ هذا الستار سيزاح عن وجه الحقيقة بالتدريج ، وسيواجهه الآخرون بعد تعرفهم على نفسيته كضيف متطفّل ، وسيدفعونه عن
رسالة الأخلاق — صفحة 312
مساهمون: السيد مجتبى الموسوي اللاري
ص٣١٢