تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسالة الأخلاق — صفحة 311

مساهمون:

ص٣١١
تماما مع انتظاراتنا وتوقّعاتنا ، وأن نحترز من التوقّعات غير الواقعية ومتابعة الأحلام الباطلة ، بل إنّ فنّ الحياة والعيش فيها في أن نتمكن من أن نحدث في أنفسنا حالة الانعطاف في توقّعاتنا ، فكثيرا ما لا يحصل السّلام الدائم ولا تنتشر المحبّة والمودة والصداقة إلّا من خلال ذلك . علينا أن نعرف الآخرين ما هم عليه وندركهم كذلك لا كما نريدهم أن يكونوا . وهذا يرتبط بمستوى النضوج الأخلاقي والظرافة العاطفية وروح التفاهم في الإنسان . من الخطأ جدّا أن نقيّم كل شيء على أساس ميولنا نحن ، ومع ذلك نرى كثيرا من الناس تجري عواطفهم وأحاسيسهم على منحى واحد ، فشعورهم بحبّهم لذواتهم قوي إلى درجة أنّهم يفتقدون الرؤية الواقعية ، وهم من ناحية أخرى يعذّبون بذلك أنفسهم ويؤلمونها ، في حين أنّ الرؤية الواقعية والقناعة بالتوقّعات المعقولة والمناسبة تثمر راحة الضمير . يحدّث دكتور في علم النفس عن توقّعاته غير الواقعية فيقول : « إنّه كان يريد في إيّام الحرب العالمية الثانية أن يسافر من مدينته إلى مدينة بعيدة ، ولكنّه كلّما ألحّ في الطلب لم يستلم تذكرة رحلة جويّة إلى حيث يريد ، فإنّ موظّفي المطارات كانوا يقولون له : إنّ الأولوية لحمولات الجيش . ولذلك فقد اضطر إلى أن يسافر بالقطار من الدرجة الثالثة ! . يقول الدكتور : بعد أن جلست على المقاعد المؤلمة للدرجة الثالثة من القطار لعدة دقائق ، رأيت أن استمرار السفر لعدة ساعات على هذه المقاعد الضّالعة تؤلمني كثيرا . ثم بادرت إلى تحليل تألّمي هذا فتساءلت من نفسي : هل أنّ تألّمي الشديد هذا من صعوبة المكان وخشونته ؟ أو من أنّهم لم يقدّروا طبيبا نفسانيا محترما مثلي بحيث يجعلوا لي تذكرة للطائرة ولو بصورة استثنائية حتى لا اضطّر إلى أن أتلف وقتي الثمين هكذا ؟ .