تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسالة الأخلاق — صفحة 298

مساهمون:

ص٢٩٨
وإذ جعل الإسلام عامل الإرادة مقياسا وملاكا لامتياز الإنسان عن سائر أنواع الحيوان ، فإنّه لم يتّجه ذلك اتّجاها جزافا ، فليس معنى الإنسانية سوى ذلك ، وأمّا الأفراد غير ذوي الإرادة فليسوا من الإنسانية في شيء ! . إنّ الإسلام لا يغفل عن حقيقة الطبيعة البشرية وعن أنواع القوى المركّبة فيه ، وهو فيما طلب منه من تكاليف ينظر إلى قدرته على التسامي وإمكاناته لأداء تلك التكاليف ، ببصيرة خاصة وبصورة دقيقة ، فهو يدعو الإنسان بما له من أجهزة إلى أن يتسامى على المستوى الحيواني في ظلّ إرادته ، ويطلب منه أن يبلّغ نفسه إلى الحدّ الممكن له من الكمال بما له من قوى واستعدادات . فالذي يفتقد أصل مقياس الامتياز الإنساني فيسلّم زمام أموره بيد الأهواء الباطنية المخرّبة ، يحطّم بذلك قواه أو يخلّ بها وبفكرته بالخصوص ، وبالنتيجة فهو يبقى عاجزا عن تأمين أهدافه الواقعية في الحياة . إنّ رياضة الرّوح تبدو شائكة في بداية الأمر ، إلّا أنّ الإشكال في الأمر سيرتفع تدريجيا مع تدريب النفس عليه ، وسينفتح الطريق لأداء مختلف التكاليف أمامه . إنّ الإرادة التي تضمن للإنسان الرقيّ في الحياة وهي وسيلة للسموّ والتقدم إلى الأمام ، حينما تصرف في سبيل الإخلاص والفداء والتضحية وكل شعور وإحساس لطيف وسلوك مهذّب ، كانت ملاكا لعظمة الإنسان ، وإذا بدأ الإنسان أعماله في أيّ ساحة في الحياة بهذه الروحية كانت لها نتائج عجيبة ، وسيخلّد في صفحات لا معه من العظمة في كتاب حياته بما فيه من صفحات كثيرة . إنّ أفراد المجتمع بفضل برامج الإسلام التهذيبيّة ، تنبعث في ضمائرهم دوافع تحملهم على أن يستمدّوا من إرادتهم في سبيل الوصول إلى الأهداف السامية في الحياة . والإرادة من منظار علم النفس هي نتيجة ذلك الدافع الذّاتي الذي له جاذبية إيجابية أقوى . يقول ( مان ) في كتابه في أصول علم النفس :