خطر الغرور العلميّ
إنّ من أخطر مراحل الحياة في سبيل التقدّم لاكتساب الكمال ، ممّا يمكن أن يصيب الإنسان فيه الغرور ، هو مرحلة حصول شيء من العلم لديه ، إذ يتجلّى ذلك لدى حامله مهمّا وذا قيمة كثيرة بحيث يتصوّر أنّ درجته العلمية ومزاياه فيه أعلى من كل أحد دونه ، والطريف أن أكثر الذين يصابون بالغرور العلمي ويزعمون أنّهم على حق ، أن يكونوا ذوي ميّزات عالية ، إنّما هم ممّن هم من حيث المستوى العلميّ في المستوى الهابط أو المتوسّط .
ذلك أنّه كلما توسّعت علوم الإنسان تعرّف على جهله وحقارته أكثر فأكثر ، والذي يبلغ في العلم إلى أنّه يجهل الكثير فإنّه قد توصّل إلى معرفة نفسه ، ولهذا فإنّ العلماء الواقعيين لا يقعون في مصيدة الغرور والتصوّرات الباطلة بسهولة .
كاتب هذه السطور يعرف من هو من حيث المستوى العلميّ في الحدّ المتوسط ، ولعلّ قيمته الوجودية قليلة ، ولكنّه متى ما دار الكلام عن خدمات الآخرين وعلومهم وتحدّث أحد الحاضرين بموضوع عن ذلك ، فإنّه لا يؤيد حديثه إلّا بابتسامة ساخرة ، بينما إذا بدأ هو بالحديث عن إقدام له على خدمة صغرى شرح الموضوع بمقدمات طويلة ، وكأن لم يعمل أحد في المجتمع خدمة أولى وأغلى ممّا قام به هو ! ! .
يقول أحد علماء العرب :
« الحقيقة أنّ معلوماتنا بالنسبة إلى مجهولاتنا ليست إلّا نسبة مئوية مختصرة ، فأيّ العناصر نعرفه جيّدا ونعلم بجميع فوائده وموارد استعماله ؟ وأيّ من النباتات والحيوانات نعلم بتاريخه من البداية حتى النهاية ؟ نحن نعيش بين قوى مختلفة لا نعلم عنها شيئا ، وإنّ الستار المظلم الذي كان ولا زال طوال القرون المديدة يحجب عيوننا عن معرفة الأشياء ، لا زال غير مهتوك ، ولا نزال نحن في