تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسالة الأخلاق — صفحة 242

مساهمون:

ص٢٤٢
حينما اختير إسكندر المقدوني الملك اليوناني الشهير ليكون القائد العام للجيش اليوناني لاحتلال إيران ، كان مختلف طبقات الناس يسرعون إليه لتهنئته ، ولم يعتن بذلك الحكيم اليوناني الشهير ( ديوجين ) حينما كان يعيش في ( الكورنيت ) وأحبّ إسكندر أن يزور الحكيم ولذلك سلك الطريق إليه . وكان ( ديوجين ) آنذاك متمدّدا في الشمس ، وكانت من خصائصه النفسية البارزة التي جعلها شعار حياته : عزّة النفس وغنى النفس وحرّيتها ، فلما أحسّ بأنّ جمعا من الناس متوجّهون إليه نهض قليلا وجعل ينظر إلى إسكندر وهو متوجّه إليه بجلال وعظمة وتشريفات خاصّة ، ولم يفرّق بين إسكندر ومن معه ، ثم بقي غير آبه ولا متعدّ به بكل برودة وفتور . حيّاه إسكندر بكل أدب واحترام ثم قال : إذا كانت لك حاجة قضيتها لك . فقال ديوجين : لي حاجة واحدة هي أني كنت في الشمس وأنت ظلّلت عليّ فمنعت عنّي ضوء الشمس ، فأرجوك أن تفرّج عنّي وتنزاح . فظنّ أصحاب إسكندر أنّه كلام غبيّ وقالوا في أنفسهم : حقّا أنّه رجل جاهل لا يستفيد من هكذا فرصة حسّاسة حصلت له . ولكن إسكندر حيث رأى احتقاره أمام عزة نفس ديوجين ومناعة طبعه ، توغّل في الفكر ، وبعد أن سلك طريقه قال لأصحابه الذين كانوا يلومون الفيلسوف ويحتقرونه : « حقّا لو لم أكن إسكندر لكنت أودّ أن أكون ديوجين » « 1 » . هناك في كل زمان ومكان أناس لا يحبّون « الوصل بضوء الشمس » ولا يتحمّلون المقام السامي لغيرهم وذلك لعدم سلامة نفوسهم وأرواحهم وهي القائد الأعلى لأكثر أعمالهم وعواطفهم وأحاسيسهم ، ودائما يريدون أن يبدوا من أنفسهم أمام كبار الرجال شخصية إن لم تكن أسمى وأعلى فلا أقل من أن تكون متساوية ومتوازنة معها . ولكنّهم حيث يفتقدون رأسمال العظمة فهم يتصدّون
هامش
( 1 ) بالفارسية : تاريخ علم ، للجورج سارتن : 525 .