تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسالة الأخلاق — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
والمصيبة في أنّ الثروة الزائدة عن حدّ الحاجة غالبا مّا تزامنها صفتان تنتهي كل صفة منهما إلى الشقاء والتعاسة : فإمّا أن تجرّ الشخص من الصراط المستقيم والطريق العدل إلى الانحراف نحو الأهواء والشهوات ، وإمّا أن يتقيد بنفس الثراء حتى يجعلها لنفسه كصنم يعبده ، ويستعد للتضحية بكل شيء في رحابه وعلى أعتابه . وليس الغرض من هذا الكلام هو أنّه لا يجوز أن نكون بصدد تحصيل المال لرفع حاجات الحياة ، بل الحقيقة أنّ الثروة الزائدة عن دائرة الحاجات لا أثر لها في سعادة أحد أيّ أثر . لا يمكن أن يكون هذا الإحساس هو الغاية الأساس للحاجة النفسية وممّا يوجب سكونها . وإن السبب لأكثر الاضطرابات الروحية في الناس هو الاتجاه أكثر من المناسب إلى هذه الغريزة غريزة حبّ المال ، أبعد بكثير عن المفهوم الأساس للحاجة الروحية وإشباعها . وبديهي أنّه لا يمكن أن نتوقع نتائج لائقة ومرضية من هذه الأهداف غير المتناسبة ، وإنّ الألم والعذاب النفسي هو النتيجة المنطقية لاختيار الأهداف غير المعقولة وغير المتناسبة ، ولهذا فنحن نرى أثرياء كثيرين يفتقدون القيم المعنوية ولذلك فإنّهم لا يشعرون بالشرف بل يرون أنفسهم في خضمّ أمواج الحياة حيارى لا دفاع لهم ، وبالتالي فهم يختمون حياتهم في حالة غربة نفسية وينتهي لهم كل شيء . إنّ الشّرف إحساس حلو ينبع من عمق النفس وينفذ في كل شيء ، والذي يتمتع بعزّة نفسه سيكون عزيزا في مجتمعه أيضا . صحيح أنّ كثيرا من الناس يأملون أن يتمكنوا من أسمى مدارج الفخر ويتألّقون كالنجوم في آفاق المجتمع ، وأن يحيّروا غيرهم من جلالهم ورونقهم ، ولا يكفيهم أن يلهج الناس بأسمائهم بل يريدون أن تتمكّن صورهم في قلوب الناس . ولكن للوصول إلى هذا المقصد على الإنسان أن يجعل النظرة الواقعية شعارا لنفسه ، وأن يبني أساس الحياة على قاعدة الشرف الواقعي .