تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسالة الأخلاق — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
سبيل تكامل الإنسان ، كما أنّه لولا الخداع في الحياة لما كانت تظهر قيمة للتقوى والفضائل وتزكية الأنفس ، كذلك لو لم تكن هناك مشاكل ، وكانت المساعي كلّها تتكلّل بالنجاح والموفّقية ، لم يكن يبقى أيّ باعث على العمل والنشاط ، ولم تكن حاجة إلى أن يسعى الإنسان ويحاول دائما ، وأن يكافح العوامل المضادّة ، بل كان تطوّر الإنسان وتكامله يتوقّف مطلقا . وعلى هذا فإنّ ضغط الشدائد وخيبة الأمل ليس مضرّا بل هو يبعث القوى والاستعدادات المختبئة ويشغلها ، ويكمّل الشخصية الأخلاقية للإنسان ، وحتى أنّه قد يكون أوسع منبع لتجديد القوى فيه . على الإنسان أن يرسم في ذهنه صورة صحيحة عن الحياة كي لا تقلقه حوادثها ، ولا يكون كريشة على مسير الماء ، بل يعدّ نفسه أمام مختلف العوامل التي تسيطر كل واحدة منها على ناحية من هذه الحياة ، ويكون كسابح ماهر يسبح في بحر الحوادث حيثما شاء ، فإن كانت قيود الحوادث لا تسمح له بالحركة وكانت الأمور في ظروف معقّدة ، كان طريق الصبر مفتوحا عليه ، والذّكي من كان في الظروف الحرجة يسلك هذا السبيل . كثير أولئك الذين يصابون بالخيالات والأوهام والأحلام والرّؤى غير الحقيقة ، وإنّما يرسمون كبار مناهم وآمالهم في تصوّراتهم ، ولا تنتقل أفكارهم من القوة إلى الفعل في ظل الصّبر والثبات . ولا ريب أنّ بين الخيال والعمل فواصل كثيرة ، ويجب أن نتقدّم إلى رحاب نشاطات الحياة برؤية واقعية لا خيالية ، وأن نسعى للوصول إلى الهدف المقصود وأن نصرف كل صبرنا في ذلك ، ولا نقصّر عن أيّ سعي بهدف خلق الباعث وازدياد القوى . وكان أحد كبار الشخصيات يقول : « إذا بنيتم لأنفسكم قصورا في فضاء السماء ، فإنّكم تضيّعون بذلك أعماركم بالغفلة والبطالة . نعم لا شيء أحلى وأعذب من هذه التصوّرات ؛ بأن يبني الإنسان لنفسه قصورا رفيعة في عالم الخيال في الفضاء اللانهائي ، ولكن لا