تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسالة الأخلاق — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
صدمات الحياة ، ولا يبدي نورها وجلالها إلّا ضرباتها وصفعاتها . بل الحقيقة أن أغلب الأفراد لا يطّلعون على ما فيهم من مواهب باطنية ذاتية إلّا باصطدامهم بنكسات وهزائم ، ولولاها لا يدركون ما يختبىء في أعماق وجودهم من قوى وطاقات وإمكانات . يقول ( دايل كارنيجي ) بهذا الشأن : « قبل أكثر من ربع قرن بل نصفه ضرب معلّم صفعتين قوّيتين على خدّ تلميذ كان يتحرّك كثيرا على كرسيّه أو منضدته ، ضربه أمام سائر التلاميذ وأهانه بحيث لم يتمالك الطفل دون أن قام راجعا إلى بيته باكيا بصوت عال : هق هق ! وكان إذ ذاك لا يتجاوز سنّ السادسة من عمره ، واستنتج أن ما فعله المعلم بحقّه ظلم وتجاوز ، فأحسّ منذ تلك اللّحظة في نفسه انزعاجا شديدا من الظلم والعدوان ولذلك فهو أخذ على نفسه كفاح الظلم حتى آخر عمره . إنّه ( كلارنس دارو ) كان بحقّ أكبر محام في المحاكم العامة ، بل أشهرهم على الإطلاق ، وقد نشرت صحف أمريكا اسمه في صفحاتها الأولى ما لا يعد كثرة ، ولا زال القدماء في ( آشتابولا ) من أمريكا يتحدّثون عن أول مرة توكّل فيها للمحاماة وأول موضوع في تلك القضية ، إنّه أقام في تلك القضية ضجة وضوضاء كثيرا ، بينما لم يكن نزاع الطرفين إلّا على عنان حصان لم يكن يساوي من أوله إلى آخره أكثر من خمسة دولارات ! ولما سئل : لماذا أقمت كل هذه الضجّة من أجل عنان حصان ؟ أجاب : المهم الدفاع عن الحق والحقيقة ، وليس المهم قيمة الموضوع الذي تقام من أجله المحكمة ، إنّه كان يدافع عن دعواه في المحكمة بكل شهامة وحرارة دم وكأنّه يرى أمامه « فهدا بنغاليا ! » وكأنّه مضطّر إلى ذلك الدفاع ، أعطاه الذي وكّله للمحاماة خمسة دولارات أجرة محاماته ، ولكنّه حيث لم يتم عمله عقّب الدعوى إلى سبعة أعوام وجرّها إلى سبعة محاكم ، يتصبّب عرقا ويطارد وراء القضية حتى انتصر في دعواه أخيرا لدى المحكمة ، وقال في النهاية : إنّه لم يتقبّل تلك الدعوى لأجرتها أو لإثبات فضله