لنكن حين الحديث بدلا من أن نعطف أفكارنا إلى أنفسنا نسعى لنجد الأخلاق والصفات الخاصة لمخاطبينا ، وحينئذ نقدر على أن نجد الجوانب الخيرة في ذلك الشخص فنثني عليه بإخلاص ، ولا نتكلّف تملّقا لا نعتقد به نحن في قرارة نفوسنا » « 1 » .
إنّ عمر بن عبد العزيز الذي كان يختلف عن سائر الخلفاء الأمويّين في مزايا من الفضائل الإنسانية ، حينما بلغ الخلافة وتولّى زمام أمور المسلمين ، وأسرعت طبقات الناس إلى لقائه وتهنئته وتبريك الخلافة له ، قام إليه في مجلسه العام رجل من شخصيات العرب المعروفة يدعى ( خالد بن عبد اللّه ) ممثلا لوفد من الوفود وبدأ كلامه يقول :
يا أمير المؤمنين ! يفخر كثير من الناس بما يصلون إليه من مقامات ومناصب ، فيكون شرفهم الإمرة والخلافة والمقام ، وأما أنت فأنت فخر الخلافة والإمرة ، فهي تزهو بك وتتشرّف وتتزيّن بوجودك ، وفي الحقيقة أنت كما قال الشاعر :
وإذا الدرّ زان حسن وجوه * كان للدرّ حسن وجهك زينا
وكان خالد بن عبد اللّه يمدح الخليفة ويثني عليه نظما ونثرا بكلام جزل ، ولكن الخليفة ملّ من تملّقه اللّامعقول ، فقطع عليه حديثه وأمره بالجلوس . ثم التفت إلى الحاضرين وقال : « إنّ لصاحبكم لسانا عوضا عن العقل والجنان » .
إنّ روحية التملّق من العيوب البارزة في المجتمع ، وقد سرت بصورة موحشة في كثير من شؤون مجتمعنا ، وقلّما نجد أفرادا يتمدّحون آخرين من أجل الصعود بمعنويّاتهم وتأييدهم وتقوية قلوبهم وإبرازا لمعرفتهم بحقوقهم وقيمة أعمالهم ، ولا يكون لهم هدف سوى دفعهم إلى الأمام وفتح الطريق أمام تقدّمهم .
هامش
( 1 ) بالفارسية : آئين دوست يأبى : 42 .