ومرتبته الإنسانية السامية ، وامتلاكه لأحاسيس الرحمة بسائر الأحياء ومن ثمّ مع جميع الكائنات والمخلوقات ، يحدث في نفس الإنسان سعيا صحيحا ومحاولة معتدلة لا بدّ له منها في حياته ، وتطرد من نفسه الخشونة والظلمة بالمرّة ، وتطهّره من أرجاسه وأنجاسه .
إنّ المعرفة الرّوحانية السماوية لرسول الإسلام هي التي كانت تبعثه إلى أن يقول بشأن أقربائه الأشقياء الذين كانوا قد اتّخذوا معه أسلوبا بعيدا عن الإنسانية « اللهم أهد قومي فإنّهم لا يعلمون » .
لم يكن لطف رسول الإسلام العظيم ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) ورحمته تشمل أولئك فحسب ، بل كانت تعلّم المسلمين عمليّا أصول الخير والإحسان .
حدّث يوما جمعا من أصحابه المتشرفين بحضوره حديثا قال فيه ( ما فحواه ) : أصيب شخص في الصحراء بالعطش ، ووجد بئرا فنزل فيها وارتوى منها ، ورأى كلبا قد سقط عاجزا من شدة العطش يمسح فاه في التراب ، فعلم الرجل أن الكلب عطشان فهو في عذاب وألم من شدة العطش ، فأشفق قلبه عليه ، وعزم على أن يروّي الكلب بكمية من الماء . فرجع مرة أخرى إلى البئر وملأ خفّه ورجع به إلى الكلب فوضعه أمامه وقد أشرفت روحه على الهلاك ، وعفى اللّه عن الرجل ثوابا لعمله هذا .
فقال صحابته : فهل لنا أن نكتسب ثوابا من البرّ بالحيوان ؟ .
فقال رسول اللّه : نعم ، إنّكم تثابون على إغاثة كل كبد حرّى » « 1 » .
من أجل الحكم على أيّ موضوع أو إقدام علينا أن نأخذ في النظر دوافع مرتكبه ، ولا ينبغي تجريد أي عمل عن عواقبه . كالمرض تماما حيث يتوجّه إليه الطبيب بالدّقة في علله وعوامله .
هامش
( 1 ) نقل الحديث بالمعنى ، ولم أجد له مصدرا معتبرا ، إلّا أنّه مذكور في كتب الأخلاق .