والإسلام يسعى من أجل إيجاد هذا الهدف المقدس والسّامي في أعماق ضمائر الناس ، وبهذا فهو يوجد في الإنسان دركا عميقا وتصوّرا واسعا متناسبين مع عمق الوجود وسعته ، بما لا يسعه أي إطار محدود وجامد . وبسعة رؤيته الشاملة هذه والإحساس الأصيل الذي يتواجد فيه بين روحه وبين الخلقة الحكيمة وروح الخلقة ، وبعلمه بقدرة اللّه اللا محدودة تزول من أمام بصيرة ضميره جميع الحجب المختلفة .
إنّ حدوث هذا الإدراك الإنسانيّ السّامي في الإنسان ، إنّما هو نتيجة عبودية خالصة للّه وارتباط دائم وعلاقة مستمرة به ؛ فإنّ دوام عبادته وطلب رضاه واللّجوء إلى لطفه والعيش في عنايته يصل بالإنسان إلى موقعية يقدر بها على إحراز مقام خلافة اللّه في الأرض ، ويبعث على محبّة ترفع عن طريق البشر أيّ مانع أو رادع ، ويدفع عنه أيّ شرّ أو رجس .
الإسلام بكل إرشاداته يربّي هذا الإحساس الأصيل في الإنسان بحيث يمتزج مع طينته ، وحينما تصبح المحبّة مبدأ للأحاسيس النفسية وتتجذّر في باطن وجوده ، بعثت فيه ميولا خاصة يستعدّ معها صاحبها للتبرّع بأعمال الخير والبرّ وخدمة المجتمع بعلاقة واشتياق خاص . ويصبح العناد وإرادة الشر للآخرين والطغيان والعتوّ في أصحابها ( المحبة ) غير عريقة بل متزلزلة غير ثابتة ، تزول بأدنى توجّه ودقة وتأمّل ؛ ذلك أنّه ليس هناك شيء أقدر على الذّهاب بأرجاس النفس الإنسانية أفضل من هذا الرأسمال الثمين ( المحبة ) .
إنّ ما أولاه القرآن الكريم من التوجّه العميق بالنسبة إلى تربية الناس أجمعين ، وما فيه من إمعان نظر ودقّة ، يترك في النفس أثرا تهذيبيّا كبيرا ، فالإنسان بالتفاته إلى وجود علاقة وثيقة لا تنقطع بينه وبين عالم الوجود ، يوفّق بين وجوده وبين نظام الوجود ، وسينظر إلى الموجودات بنظرة ملؤها الرحمة ، ما عدا الضارّة منها .
إنّ اعتياد الإنسان بالأحاسيس اللطيفة التي تتجلى فيها عظمته وسموّ مقامه
رسالة الأخلاق — صفحة 177
مساهمون: السيد مجتبى الموسوي اللاري
ص١٧٧