الآلام النفسية وآثارها العميقة
إنّ الإنسان لا بدّ له في سبيل حصوله على حاجاته في حياته من تحمل كثير من المشاكل والآلام الجسدية والنفسية ، فإنّه من خلال هذا السعي الحثيث الذي يقوم به لإعداد وسائل راحته المادية ، تتعالى قواه العقلية والروحية ، ويتقدم نحو الكمال .
إنّ للمشاكل والآلام آثارا عميقة وواسعة في حياة البشر ، فإنّ القوى النفسية تتهذّب تحت ضغط المصائب ، وتتجلّى في ظلام الآلام أكثر .
إنّ الإنسان لو لم يتألم من جهله منذ الأيام الأولى من حياته لما كان يحاول أن يعالج جهله هذا ، ولكان يبقى في ظلمات الجهل والتوحش ، ولما كنّا نرى اليوم أثرا من مظاهر عقله وذوقه وأخلاقه . إنّ إحساسه بألم الجهل هو الذي دفعه إلى أن يقوم بمقاومته والكفاح ضدّه .
إنّ أساس كل تكامل للإنسان وكل تقدم له في الأمور الفردية والاجتماعية والمدنية إنّما بني على هذه القاعدة ومن خلال هذا المنطلق ، وإنّ أكثر الانتفاضات الاجتماعية الكبرى التي أصبحت عنوانا لتقدم الإنسان ومنطلقا لتعاليه ، إنّما ظهرت نتيجة لمشاكل وصعوبات لا تطاق . إنّ الصعوبات والحوادث المرة وإن كان ظاهرها مجّا مرّا ، واللذّات والشهوات وإن كانت عذبة مرضيّة ، إلّا أنّ الواقع والحقيقة أن الأمر بالعكس تماما ؛ فإنّ تبعيّة اللذّات والأهواء تستتبع الإنحطاط والشقاء والتعاسة ، بينما تستبطن المصائب والمشاكل السعادة والهناء ، وإنّ هناك تلازما قطعيا بين تحمّل الآلام ونيل السعادة ، وإنّ العلاقة بين المشاكل والمصائب والسعادة والكمالات علاقة سببيّة .
يقول ( هيجل ) الفيلسوف الألماني بهذا الصدّد :
« إنّ تنازع البقاء هو قانون التقدم والتطوّر ، وإنّ الصّفات والسّجايا إنّما تتكوّن وتتكامل في معركة البلابل والقلاقل ، وإنّما يبلغ الفرد قمة تعاليه من