وإنّما هما يريدان الفرار بالخيال ، وحيث أنّ هذا الفرار لا يكون أبديا فإنّهما سيرجعان إلى عالم الحقيقة والواقع وحينئذ يكون اصطدامهما بالواقع أكثر حزنا وكآبة من ذي قبل » « 1 » .
إنّ للأفكار آثارا عميقة في الاستقرار الرّوحي للإنسان ، وبكلمة فإنّ الحالة الروحية لكل أحد ترتبط بطريقة وأسلوب تفكيره . وهناك مختلف العوامل التي تؤثر في طريقة وكيفية تفكير الأفراد ؛ فالذي يتمتع بعقلية فعّالة نشطة لا يتعرّض لعواصف القنوط المطلق ولا يظلم العالم في عينيه بمحض ما ييأس من الإفادة من عالم المادة ، بل إنّه سيسدّ منافذ روحه على الأمور المادية ويحاول الإفادة من اللذّات المعنوية ، ولهذا فإنّه بذلك يبعث بنفسه إلى عالم يتحرر فيه من أسر الآلام ويرتوي فيه بكأس السعادة . في حين أنّ أصحاب النظرة الضيّقة من أجل الانطلاق من قيود القلق يلجأون إلى الإفادة من وسائل عالم المادة ، وحيث أنّ أهواء الإنسان في تحوّل وتغيير دائم ، والعالم بدوره لا يبقى فيه شيء ثابتا على حالة واحدة ، فإذا كانت سعادة الإنسان مرتبطة بأمور أخرى كانت كذلك في معرض الزوال والعدم . ولهذا فإنّ مثل هذا الإنسان يكون كالغريق في بحر محيط عميق يتشبّث بكل حشيش ، ويتوسّل بأمواج لا تقوم بإنقاذه ، وبالتالي فإنّ أيّا من المواد الفانية غير الباقية لا تقدر على أن تمنحه القرار والثبات .
يشرح ( كارلوس ) شقاء هؤلاء فيقول :
« ترى أحدهم من أجل أن يفر من الكسل الذي يحسّه يترك قصره الجميل ويتشبّث عبثا بمختلف الوسائل . وآخر يبتعد عن زوجته وأولاده بسرعة ، وكأنّه يسرع إلى إطفاء حريق ، ولكنّه من دون أن يصل إلى هدفه يواجه عدوّه اللّدود أعني الألم والكسل الروحي فيه ، فيرجع إليهم بنفس السرعة التي فرّ بها منهم ، وهو هكذا لا يزال كالمجانين في ضلال وضياع » « 2 » .
هامش
( 1 ) بالفارسية : روانشناسى براي زيستى : 230 .
( 2 ) بالفارسية : أفكار شوبن هاور : 64 .