تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسالة الأخلاق — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
الرضا من حياتهم ، إنّهم يتصورون أنّهم لا يستطيعون أن يتمتّعوا بحياتهم ما لم تستقم أعمالهم ، وما لم تكثر أموالهم وثراؤهم ، وما لم يمتلكوا وسائل الرفاه والراحة التامّة ، فهم يفتّشون عن السعادة في الآفاق البعيدة ، ولذلك فهم يخسرون رأسمال أعمارهم - وهي الدقائق التي تمرّ عليهم - لأحلام مستقبلهم . في حين أنّهم لو كانوا يريدون سعادتهم واقعا ، لكان بإمكانهم أن يكتشفوا السعادة في نفس حياتهم الآمنة وإن كانت حقيرة في جانبها الماديّ . فإنّ أساس الحياة إنّما يبتنى على اليوم الحاضر ، أما الغد الذي يأملونه وكأنّه يتجلّى لهم جنّة الحياة فإنّه ما إن يصل حتى يتجلّى لهم كجحيم هائل . إنّ الذي يحسّ بالتعب والتبرّم من حياته الحاضرة فهو ينتظر في الآفاق المظلمة المجهولة أوضاعا أجمل وأكمل ، عليه أن يتنبّه من نوم غفلته ويبحث عن أمله الضائع في نفس هذه الأيام المملّة الحاضرة لا في مرآة الخيال من المستقبل المجهول ، فإنّ الموانع التي يراها على طريقه دون تحقيق آماله إنّما هي من نتاج أفكاره هو ، وإن توفيقه وسعادته في باطن يومه الحاضر . فإن لم يغرس اليوم غرسا فإنّه سوف لا يحصد شيئا ، وليس العمر مكرّرا كي نصحّح أخطاءنا فيما نستقبل من أعمارنا . إنّ الإنسان العاقل يفيد أكثر إفادة من كل دقيقة تمر من عمره ، وكأنّها قطرات أمطار تصبّ في بحر العدم المظلم ، فهو لا يخسرها بلا فائدة ، ولذلك فهو كل يوم في تقدم ، وأفق حياته أكثر نورا وإضاءة ، وروحه في معنوية وانفتاح وتوسّع . فهو يصون موقعه في مواجهة الحوادث المؤلمة كقطب الرحى ، فالحوادث إن مرّت عليه كالعاصفة فإنّه لا يزل ولا يتعثر ، بل يفيد منها أحسن إفادة ، فهو يأخذ منها دروسا من العظات والعبر ، ولا ينتظر أن يتغيّر العالم فيوافق أحلامه وتصوراته . وبالتالي فإنّه يقضي ساعات عمره بحيث إذا انقضى كل يوم منها فإنّه لا يكون نادما أو متحسّرا على ذلك . وهناك آخرون لا يبالون بالحاضر والمستقبل ، إنهم لا يهمهم اليوم ولا