جهد السفر وعنائه يقول ابن إسحاق : سمعت مكحولا يقول : طفت الأرض في طلب العلم ، وقال مكحول : أعتقت بمصر فلم أرع بها علما إلا حويته ثم أتيت الشام فغربلتها ، وقال سعيد بن المسيب : كنت أسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد « 1 » وجاء في ترجمة النسائي انه سمع الحديث بخراسان والعراق والحجاز ومصر والشام والجزيرة . وأراد أبو الطيب الطبري الهجرة لأخذ الحديث والعلم من محمد بن أيوب الرازي فمنعه أهله فلما وافاه النبأ بموته صرخ ومزق قميصه ، ووضع التراب على رأسه فقال له أهله :
ما خبرك ؟
- نعي إلى محمد بن أيوب ، ومنعتموني من الارتحال إليه .
فأخذ أهله في تسليته ، وأذن له أهله في الهجرة لطلب العلم « 2 » وقال عبد اللّه ابن المبارك : دوخت العلماء ، وعاينت الرجال بالشامات والعراقين والحجاز فلم أجد الأدب إلا مع ثلاثة : ابن عون ، غريزته الأدب ، وعبد العزيز بن رواد متكلف الأدب ، ووهب المكي كأنه ولد مع أدب « 3 » .
لقد كان المسلمون في عصورهم الذهبية يتسابقون إلى طلب العلم وسماع الحديث وتدوينه ، وإذا وفد عليهم أحد من العلماء هبوا إلى استقباله والاحتفاء به للاستماع منه ، والأخذ من علومه ، ولما ورد الإمام الصادق عليه السّلام إلى الكوفة ازدحمت عليه جماهير المسلمين تستفتيه ، وتسأله عن أحكام دينها . ويحدثنا محمد بن معروف الهلالي عن كثرة زحام الناس وإقبالهم عليه يقول :
« مضيت إلى الحيرة إلى ( جعفر بن محمد ) فما كان فيه حيلة من كثرة الناس فلما كان اليوم الرابع رآني فأدناني ، وتفرق الناس عنه ، ومضى يريد قبر أمير
هامش
( 1 ) جامع بيان العلم : 1 / 94 .
( 2 ) تذكرة الحفاظ : 3 / 151 .
( 3 ) أدب الاملاء : ص 2 .