الاختصاص بالعلوم
والشيء الذي هو جدير بالاهتمام هو أن المسلمين - في عصورهم الأولى - قد تسابقوا إلى الاختصاص بالعلوم العقلية والنقلية ، وقد نبغت فيهم طائفة كبيرة ، منهم هشام بن الحكم ، وهشام بن سالم ، ومؤمن الطاق ، ومحمد بن عبد اللّه الطيار ، وقيس الماصر ، فقد تخصص هؤلاء الأعلام - الذين هم من خيرة ما أنتجته جامعة الإمام الصادق - في علم الفلسفة ، ومباحث الكلام . وتخصص في علم الفقه وأصوله زرارة ابن أعين ، ومحمد بن مسلم ، وجميل بن دراج ، ويزيد بن معاوية ، وإسحاق بن عمار وعبيد اللّه الحلبي ، وأبو بصير ، وأبان بن تغلب ، والفضل بن يسار ، وأبو حنيفة ، ومالك ابن أنس ، ومحمد بن الحسن الشيباني ، وسفيان بن عيينة ، ويحيى بن سعيد ، وسفيان الثوري ، وتخصص في حكمة الوجود وأسرار الخليقة المفضل بن عمر ، وتخصص في علم الكيمياء جابر بن حيان الكوفي ، وهو أشهر كيماوي في العالم العربي - كما قال فانديك - « 1 » وقد اخترع جابر أمورا مذهلة ذكرها المعنيون بترجمته ، فقد ذكروا انه أوجد قرطاسا لا يحترق ، وقرطاسا يضيء في الليل أملى فيهما أحاديث أستاذه الإمام العظيم جعفر الصادق عليه السّلام ، يقول عبد الرحمن بدوي :
« لن يستطيع الباحث في تأريخ الفكر الإسلامي أن يجد شخصية أغرب وأخصب من شخصية جابر بن حيان ، فهي شخصية أمعنت في الغموض ، واكتنفها السر حتى كادت أن تكون أسطورة ، وتسامت في التفكير حتى ليقف المرء اليوم ذاهلا أمام ما تقدمه من نظرات علمية فلسفية كلها عمق ، وكلها حياة ، وأمام هذه الروح العامة التي تسودها روح التنوير والنزعة الإنسانية التي تصبو إلى اكتناه كل الأسرار . . . » .
هامش
( 1 ) حياة الإمام موسى بن جعفر : 1 / 83 .