عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَ يَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
. آل عمران : 79 و 80
ومنه يعلم : أنّ المراد من قوله تعالى :
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ
. يونس : 18
الشفاعة بالاستقلال من دون توقّف على إذن اللّه ورضاه ، ومعناها : كون الشفيع قادرا على إنفاذ شفاعته عند اللّه ، ومالكا لأمر المشفوع له من حيث إنقاذه من عقوبة اللّه ، وإيصاله إلى ثوابه ، وذلك مساوق لنوع من الربوبيّة .
كما أنّ المراد من قوله تعالى :
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
. الزمر : 3
أنّهم يقرّبون اللّه من غير حاجة إلى رضاه ، بل مع سخطه عنّا وعدم تعرّضنا لطلب القرب من اللّه .
ومعناه : أنّ عاقبة أمرنا بيدهم ، وأنّهم ما لكون لأمرنا ، وهو نوع من الربوبيّة ، وهذا بخلاف الشفاعة عند اللّه بإذنه ورضاه .
فليس الاستشفاع من الأنبياء والأئمّة عليهم السّلام وطلب الشفاعة منهم مع العلم والاعتقاد بأنّهم لا يشاءون إلّا أن يشاء اللّه ، وأنّ للّه الشفاعة جميعا ، وأنّهم يشفعون بإذن اللّه ورضاه ، إلّا طلبا لمرضاة اللّه وعفوه ومغفرته له لأجل منزلتهم ومكانتهم عنده جلّت عظمته ، فإنّهم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ، بلا اعتقاد أنّهم يملكون شيئا من أمر العباد حتّى الشفاعة لهم عند اللّه من دون إذنه ورضاه ، فليس في ذلك شيء من شائبة دعوى الربوبيّة في حقّهم ، ولا في الاستشفاع بهم بهذا المعنى شيء من شائبة العبادة لغير اللّه سبحانه وتعالى .
كيف وقد مدح اللّه الاستشفاع بالنبيّ ، فقال : عزّ من قائل :
وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا