من أنفسكم » : فمن كنت أولى به من نفسه فعليّ أولى به من نفسه .
وإمّا لأجل تمكينهم وحملهم على أن لا يأبوا عمّا يريد أن يعقبه بجعل الزعيم عليهم والمتصرّف في شؤونهم لا محالة ، فليس مفاده حينئذ إلّا تسليط عليّ عليه السّلام عليهم ، فتتعيّن إرادة ما هو متضمّن لمعنى التسلّط من معاني كلمة المولى - كالسيّد ، والمتصرّف - دون غيره من معانيه .
وعلى كلا التقديرين ، فالحديث يدلّ على كون عليّ عليه السّلام نافذ التصرّف فيهم ، يجب عليهم الانقياد له ، ولا يجوز منعه عن التصرّف فيهم .
قال ابن بطريق في « العمدة » ص 115 :
مقدّمة الكلام الّتي بدأ بذكرها ، وأخذ إقرار الامّة بها من قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « ألست أولى منكم بأنفسكم » ثمّ عطف عليها بلفظ يحتملها ويحتمل غيرها دليل على أنّه لم يرد بها غير المعنى الّذي قرّرهم عليه من دون أحد محتملاتها ، وأنّه قصد بالمعطوف ما هو معطوف عليه ، ولا يجوز أن يرد من الحكيم تقرير بلفظ مقصور على معنى مخصوص ثمّ يعطف عليه بلفظ يحتمله إلّا ومراده المخصوص الّذي ذكره وقرّره دون أن يكون أراد بها غيره ما عداه .
يوضّح ذلك ويزيده بيانا لو قال : ألستم تعرفون داري الّتي في موضع كذا ، ثمّ وصفها وذكر حدودها ، فإذا قالوا : بلى ، قال لهم : فاشهدوا أنّ داري وقف على المساكين ، وكانت له دور كثيرة ، لم يجز أن يحمل قوله : في الدار الّتي وقفها إلّا على أنّها الدار الّتي قرّرهم على معرفتها ووصفها . وكذلك لو قال : ألستم تعرفون عبدي فلانا ، فإذا قالوا : بلى ، قال لهم : فاشهدوا أنّ عبدي حرّ لوجه اللّه تعالى وكان له مع ذلك عبيد سواه ، لم يجز أن يقال : إنّه أراد إلّا عتق من قرّرهم على معرفته دون غيره من عبيده وإن اشترك جميعهم في اسم العبودية .
وإذا كان الأمر على ما ذكرناه ثبت : أنّ مراد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من قوله : « من كنت مولاه فعليّ مولاه » معنى الأولى الّذي قدّم ذكره وقرّره ، ولم يجز أن يصرف إلى غيره من سائر أقسام لفظة « مولى » وما يحتمله ، وذلك يوجب أنّ عليّا عليه السّلام أولى
معجم المحاسن والمساوئ — صفحة 556
مساهمون: الشيخ أبو طالب التجليل التبريزي
ص٥٥٦