فمعنى قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « من كنت مولاه فعليّ مولاه » : من كنت متقلّدا لأمره وقائما به فعليّ متقلّد أمره والقائم به ، وهذا صريح في زعامة الامّة وإمامتها وولايتها ، فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم زعيم الامّة ووليّهم وسلطانهم ، والقائم بأمرهم ، فثبت لعليّ عليه السّلام ما ثبت له من الولاية العامّة ، والزعامة التامّة .
هذا ما يقضي به التأمل في كلام أئمّة اللغة ، وإن أبيت إلّا عن تعدّد معاني « المولى » وأنه مشترك لفظي ، فمن جملة معانيها لا محالة « الأولى » .
قال الكلبي المتوفّى سنة 146 في معنى قوله تعالى
هِيَ مَوْلاكُمْ :
يعني أولى بكم . وهو قول الزجاج والفرّاء وأبي عبيدة ( كما نقله في تفسير الرازي ج 29 ص 227 ) .
وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى المتوفّى سنة 210 هو مقدّم في علم العربيّة في « غريب القرآن » في تفسير « هي مولاكم » يريد جلّ اسمه هي أولى بكم ، واستشهد بقول لبيد :
ففدت كلا الفرجين تحسب انّه * مولى المخافة خلفها وأمامها
نقله في عمدة ابن بطريق ص 112 وقال في ص 113 : وقد حكى عن أبي العبّاس المبرّد : الولي الّذي هو الأولى والأحقّ ، ومثله المولى .
وقاله أخفش النحوي المتوفّى سنة 215 واستشهد ببيت لبيد ، نقله عنه الرازي في « نهاية العقول » .
وقاله البخاري المتوفّى سنة 6 - 253 في « صحيحه » ج 7 ص 240 .
وقال الأنباري اللغوي النحوي المتوفّى سنة 322 في « تفسير المشكل في القرآن » : المولى : الولي والأولى بالشيء ، واستشهد بالآية وببيت لبيد ، وقال الحلبي في « التقريب » : أنّ المولى حقيقة في الأولى ؛ لاستقلالها بنفسها ، ورجوع سائر الأقسام في الاشتقاق إليها ؛ لأنّ المالك إنّما كان مولى لكونه أولى بتدبير رقيقه ، وتحمّل جريرته ، والمملوك مولى لكونه أولى بطاعة مالكه ، والمعتق والمعتق كذلك ، والناصر لكونه أولى بنصرة من نصره ، والحليف لكونه أولى بنصرة