وقد تعرّض القرآن الكريم لمختلف الشؤون ، فلم توجد فيه أيّة متناقضة ولا أدنى اختلاف ، وربّما يستعرض الحادثة الواحدة مرّتين أو أكثر ، فلا تجد فيه أقلّ تهافت وتدافع . وإليك قصّة موسى عليه السّلام ، فقد تكرّرت في القرآن مرارا عديدة ، وفي كلّ مرّة تجد لها مزيّة تمتاز بها من غير اختلاف في جوهر المعنى .
« الثاني »
إذا عرفت أنّ الآيات نزلت نجوما متفرّقة على الحوادث ، علمت أنّ القرآن روح من أمر اللّه ، لأنّ هذا التفرّق يقتضي بطبعه عدم الملائمة والتناسب حين يجتمع ، ونحن نرى القرآن معجزا في كلتا الحالتين ، نزل متفرّقا فكان معجزا حال تفرّقه ، فلمّا اجتمع حصل له إعجاز آخر وقد أشار إلى هذا النحو من الإعجاز قوله تعالى :
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
« 1 » . النساء : 82
« الثالث »
من الضروري أنّ النشأة نشأة المادة والقانون الحاكم فيها قانون التحوّل والتكامل ، فما من موجود من الموجودات الّتي هي أجزاء هذا العالم إلّا وهو متدرّج الوجود متوجّه من الضعف إلى القوّة ومن النقص إلى الكمال في ذاته وجميع توابع ذاته ولواحقه من الأفعال والآثار ، ومن جملتها الإنسان الّذي لا يزال يتحوّل ويتكامل في وجوده وأفعاله وآثاره الّتي منها آثاره الّتي يتوسّل إليها بالفكر والإدراك ، فما من واحد منّا إلّا وهو يرى نفسه كلّ يوم أكمل من أمس ولا يزال يعثر في الحين الثاني على سقطات في أفعاله وعثرات في أقواله الصادرة منه في الحين الأوّل ، هذا أمر لا ينكره من نفسه إنسان ذو شعور .
وهذا الكتاب جاء به النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم نجوما وقرأه على الناس قطعا قطعا في مدّة ثلاث وعشرين سنة في أحوال مختلفة وشرائط متفاوتة في مكّة والمدينة في الليل
هامش
( 1 ) البيان في تفسير القرآن ، ص 81 .