عمره الابتلاءات الكثيرة ، الشخصية والنوعية ، والمحاربات الممتدّة مع الأعداء المحيطة به من كلّ الجوانب ، وهو بعد يقوم وحيدا فريدا بحذاء جميع العالم ، ويدعوهم لدينه ويهديهم إلى ربّه « 1 » .
وقد صرّح في كثير من آيات القرآن الكريم بأنّ محمّدا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم امّي ، وقد جهر النبيّ بهذه الدعوى بين ملأ من قومه وعشيرته الّذين نشأ بين أظهرهم ، وتربّى في أوساطهم ، فلم ينكر أحد عليه هذه الدعوى ، وفي ذلك دلالة قطعيّة على صدقه فيما يدّعيه ، ومع كونه امّيا فقد أتى في كتابه من المعارف بما أبهر عقول الفلاسفة ، وأدهش مفكّري الشرق والغرب منذ ظهور الإسلام إلى هذا اليوم ، وسيبقي موضعا لدهشة المفكّرين وحيرتهم إلى اليوم الأخير ، وهذا من أعظم نواحي الإعجاز « 2 » .
فهل يتأتى كما ذكره العلّامة الطباطبائي رحمه اللّه « 3 » القوة البشريّة أن يختلق معارف إلهية مبرهنة تقابل ما أتى به القرآن وتماثله في الحقيقة ؟ وهل يمكنها أن تأتي بأخلاق مبنيّة على أساس الحقائق تعادل ما أتى به القرآن في الصفاء والفضيلة ؟
وهل يمكنها أن يشرّع أحكاما تامّة فقهية تحصي جميع أعمال البشر من غير اختلاف يؤدّى إلى التناقض مع حفظ روح التوحيد وكلمة التقوى في كلّ حكم ونتيجته ، وسريان الطهارة في أصله وفرعه ؟ وهل يمكن أن يصدر هذا الإحصاء العجيب والإتقان الغريب من رجل امّي لم يتربّ إلّا في حجر قوم حظهم من الإنسانية على مزاياها الّتي لا تحصى وكمالاتها الّتي لا تغيّا أن يرتزقوا بالغارات والغزوات ونهب الأموال وأن يئدوا البنات ويقتلوا الأولاد خشية إملاق ويفتخروا بالآباء وينكحوا الامّهات ويتباهوا بالفجور ويذمّوا العلم ويتظاهروا بالجهل وهم على أنفتهم وحميّتهم الكاذبة أذلّاء لكلّ مستذلّ وخطفة لكلّ خاطف فيوما لليمن ويوما للحبشة ويوما للروم ويوما للفرس ؟ فهذا حال عرب الحجاز في الجاهلية .
هامش
( 1 ) اقتباس من « شيعه در اسلام » للعلّامة الطباطبائي رحمه اللّه .
( 2 ) تفسير « البيان » ص 57 .
( 3 ) تفسير « الميزان » ج 1 ص 60 .