تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معجم المحاسن والمساوئ — صفحة 460

مساهمون:

ص٤٦٠
وقد أتى في جميع ذلك بالحقائق الراهنة ، الّتي لا يتطرّق إليها الفساد والنقد في أيّة جهة من جهاتها ، ولا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها وهذا شيء يمتنع وقوعه عادة من البشر - ولا سيّما ممّن نشأ بين امّة جاهلة لا نصيب لها من المعارف ، ولا غيرها من العلوم - ولذلك نجد كلّ من ألّف في علم من العلوم النظرية ، لا تمضي على مؤلّفه مدّة حتّى يتّضح بطلان كثير من آرائه . فإنّ العلوم النظرية كلّما ازداد البحث فيها وكثر ، ازدادت الحقائق فيها وضوحا ، وظهر للمتأخّر خلاف ما أثبته المتقدّم ، والحقيقة - كما يقولون - بنت البحث وكم ترك الأوّل للآخر . ولهذا نرى كتب الفلاسفة الأقدمين ومن تأخّر عنهم من أهل التحقيق والنظر قد صارت عرضة لسهام النقد ممّن تأخّر ، حتّى أنّ بعض ما اعتقده السابقون برهانا يقينا ، أصبح بعد نقده وهما من الأوهام ، وخيالا من الأخلية « 1 » .

4 - إعجاز القرآن من حيث عدم الاختلاف فيه :

وإعجازه من هذه الحيثية لوجوه : « الأوّل » إنّه قد علم كلّ عاقل جرب الأمور ، وعرف مجاريها أنّ الّذي يبني أمره على الكذب لافتراء في تشريعه وإخباره ، لا بدّ من أن يقع منه التناقض والاختلاف ولا سيّما إذا تعرّض لكثير من الأمور المهمّة في التشريع والاجتماع والعقائد ، والنظم الأخلاقية المبتنية على أدقّ القواعد وأحكم الأسس ولا سيّما إذا طالت على ذلك المفتري أيّام ، ومرّت عليه أعوام . نعم لا بدّ من أن تقع في التناقض والتهافت من حيث يريد أو لا يريد ، لأنّ ذلك مقتضى الطبع البشري الناقص إذا خلا من التسديد ، وقد قيل في المثل المعروف : لا حافظة لكذوب .
هامش
( 1 ) البيان ص 81 .
معجم المحاسن والمساوئ — صفحة 460 | الشيخ أبو طالب التجليل التبريزي