فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا
« 1 » . فأشغلتني بلاغتها الموجزة عن التفكّر في غيرها . قال هشام : وإذا بأبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام يمرّ عليهم ويومئ إليهم قائلا :
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً
« 2 » .
هذا قليل من كثير عن خبر خضوع الخبراء والبلغاء الأوّلين لبلاغة القرآن ، وهم من أعدائه الألدّاء « 3 » .
وبالجملة : أنّا نعلم بالتواتر أنّ العرب كانوا يعادونه أشدّ المعاداة ، ويتهالكون في إبطال أمره ، وفراق الأوطان والعشيرة ، وبذل النفوس والمهج منهم ، من أقوى ما يدلّ على ذلك ، فإذا انضاف إليه مثل هذا التقريع وهو قوله :
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا
فلو أمكنهم الإتيان بمثله لأتوابه ، وحيث لم يأتوا به ظهر كونه معجزا .
2 - إعجاز القرآن من حيث مضامينه العالية :
القرآن - كما في رسالة « المعجزة الخالدة » - كتاب مشتمل على نظام كامل وسيع ، يشمل جميع شؤون الإنسانية من حيث الاعتقادات والأخلاقيّات ، وعموم أفعال الإنسان وأعماله ، ويباحث عن دقائقها وجزئيّاتها .
وهذا النظام الوسيع بشراشره قائم على اسّ وأساس واحد وهو التوحيد ، وجميع معارف القرآن يستنتج منه ويتفرّع عليه ، الإسلام مترتبطة فروعه بالأصول وأصوله بالفروع ، وكلّ حكم له في كلّ باب يرجع بالتجزئة إلى التوحيد ، والتوحيد يرجع بالتركيب إلى تلك الفروع ، وتنظيم هذا النظام بهذا الاتقان خارج عن قدرة أيّ عالم حقوقي في القرن الحاضر بعد تكامل العلوم ، وتراكم أفكار العلماء طيلة القرون المتوالية في كلّ قرن على مكتشفات القرون السابقة ، فضلا عن إنسان امّي لم يتلمّذ لأحد ، وعاش في جمعية وحشية عارية عن شؤون التمدّن ، وقد شغل
هامش
( 1 ) يوسف : 80 .
( 2 ) الإسراء : 87 .
( 3 ) كتاب « المعجزة الخالدة » ص 23 .