وفي « أعلام الورى » « 1 » : كان الوليد بن المغيرة شيخا كبيرا ، وكان من حكّام العرب يتحاكمون إليه في الأمور ، وينشدونه الأشعار فما اختاره من الشعر كان مختارا ، وكان له بنون لا يبرحون من مكّة ، وكان له عبيد عشرة عند كلّ عبد ألف دينار يتّجر بها ، وملك القنطار في ذلك الزمان ، والقنطار : جلد ثور مملوء ذهبا ، وكان من المستهزئين برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وكان عمّ أبي جهل بن هشام ، فقال له : يا أبا عبد شمس ، ما هذا الّذي يقول محمّد ، أسحر أم كهانة أم خطب ؟ فقال : دعوني أسمع كلامه ، فدنا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وهو جالس في الحجر ، فقال : يا محمّد أنشدني من شعرك ، قال : ما هو بشعر ، ولكنّه كلام اللّه الّذي به بعث أنبيائه ورسله ، فقال : أتل عليّ منه ، فقرا عليه رسول اللّه :
« بسم اللّه الرحمن الرحيم » فلمّا سمع الرحمن استهزأ فقال : تدعو إلى رجل باليمامة يسمّى الرحمن ، قال : لا ، ولكنّي أدعو إلى اللّه وهو الرحمن الرحيم ، ثمّ افتتح سورة حم السجدة ، فلمّا بلغ إلى قوله :
فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ
ولمّا سمعه اقشعرّ جلده ، وقامت كلّ شعرة في رأسه ولحيته ، ثمّ قام ومضى إلى بيته ولم يرجع إلى قريش ، فقالت قريش : يا أبا الحكم صبا أبو عبد شمس إلى دين محمّد ، أما تراه لم يرجع إلينا وقد قبل قوله ومضى إلى منزله ، فاغتمّت قريش من ذلك غمّا شديدا ، وغدا عليه أبو جهل فقال : يا عمّ ، نكست برؤوسنا وفضحتنا ، قال : وما ذاك يا ابن أخ ؟ قال : صبوت إلى دين محمّد ، قال : ما صبوت وإنّي على دين قومي وآبائي ، ولكنّي سمعت كلاما صعبا تقشعرّ منه الجلود ، قال أبو جهل : أشعر هو ؟ قال : ما هو بشعر ، قال : فخطب هي ؟ قال : لا ، إنّ الخطب كلام متّصل ، وهذا كلام منثور ، ولا يشبه بعضه بعضا ، له طلاوة ، قال :
فكهانة هي ؟ قال : لا ، قال : فما هو ؟ قال : دعني افكّر فيه ، فلمّا كان من الغد قالوا :
هامش
( 1 ) أعلام الورى بأعلام الهدى لشيخ المفسّرين الشيخ أبي عليّ الطبرسي ص 69 - 70 ط دار مكتبة الحياة في بيروت .