يا أبا عبد شمس ما تقول ؟ قال : قولوا هو سحر ، فإنّه آخذ بقلوب الناس ، فأنزل اللّه تعالى فيه :
ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً
إلى قوله :
عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ
« 1 » . فانظر إلى مدى إكبارهم لأمر القرآن ، وشأن نائله وناقله ، والدهشة من سرّه ، حتّى نعتوه بالسحر المدهش أثره ، الّذي هو فوق العلم والقدرة منهم .
وقد روي عن هشام - من أصحاب الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليهما السّلام - أنّه قال : اجتمع في بيت اللّه الحرام أربعة من مشاهير الدهرية ، وأعاظم الأدباء ، وكبار الزنادقة ، وهم : عبد الكريم بن أبي العوجاء ، وأبو شاكر ميمون بن ديصان ، وعبد اللّه ابن المقفّع ، وعبد الملك البصري ، فخاضوا في حديث الحجّ ونبيّ الإسلام صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وما يجدونه من الضغط على أنفسهم من قوّة أهل الدين ، ثمّ استقرّت آراؤهم على معارضة القرآن الّذي هو أساس الدين ومحوره ، ليسقط اعتباره من معارضتهم إيّاه ، ومباراتهم له ، فتعهّد كلّ واحد منهم أن ينقض ربعا من القرآن إلى السنة الآتية ، فإذا انتقض كلّه وهو الأصل انتقض كلّ ما يبنى عليه ، أو يتفرّع منه ، فتفرّقوا على أن يجتمعوا في العام القابل . ولمّا اجتمعوا في الحجّ القابل ، وتساءلوا عمّا فعلوا ، اعتذر ابن أبي العوجاء قائلا : إنّه أدهشته آية :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
الخ « 2 » .
فأشغلته بلاغتها وحجّتها البالغة . واعتذر الثاني قائلا : إنّه أدهشته آية :
يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ
« 3 » .
فأشغلته عن عمله . وقال ابن المقفّع : أدهشتني آية نوح :
وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
« 4 » . فأشغلتني عن الفكرة في غيرها . وقال رابعهم : أدهشتني آية :
هامش
( 1 ) المدّثر : 11 - 30 .
( 2 ) الأنبياء : 22 .
( 3 ) الحجّ : 73 .
( 4 ) هود : 44 .