تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معجم المحاسن والمساوئ — صفحة 452

مساهمون:

ص٤٥٢

1 - إعجاز القرآن من حيث البلاغة :

فصاحة القرآن وبلاغته فوق حد إمكان المعارضة حتّى عجز فصحاء العرب الّذين راقوا في الفصاحة إلى حدّ لم يبلغه غيرهم عن معارضته . والعرب فكرت في بلاغة القرآن فأذعنت لإعجازه ، وعلمت أنّها مهزومة إذا أرادت المعارضة ، فصدّق منها قوم داعي الحقّ ، وخضعوا لدعوة القرآن ، وفازوا بشرف الإسلام وركب آخرون جادة العناد ، فاختاروا المقابلة بالسيوف على المقاومة بالحروف ، وآثروا المبارزة بالسنان على المعارضة في البيان ، فكان هذا العجز والمقاومة أعظم حجّة على أنّ القرآن وحي إلهيّ خارج عن طوق البشر . فالتاريخ لا يرتاب أنّ العرب العرباء بلغت من البلاغة في الكلام مبلغا لم يذكره التاريخ لواحدة من الأمم المتقدّمة عليهم والمتأخرة عنهم ووطئوا موطئا لم تطأه أقدام غيرهم في كمال البيان وجزالة النظم ووفاء اللفظ ورعاية المقام وسهولة المنطق . وقد تحدّى عليهم القرآن بكلّ تحدّ ممكن مما يثير الحمية ويوقد نار الأنفة والعصبية . وحالهم في الغرور ببضاعتهم والاستكبار عن الخضوع للغير في صناعتهم ممّا لا يرتاب فيه ، وقد طالت مدة التحدّي وتمادى زمان الاستنهاض فلم يجيبوه إلّا بالتجافي ولم يزدهم إلّا العجز ولم يكن منهم إلّا الاستخفاء والفرار ، كما قال تعالى :
أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ
هود : 5 . وقد مضى من القرون والأحقاب ما يبلغ أربعة عشر قرنا ولم يأت بما يناظره آت ولم يعارضه أحد بشيء إلّا أخزى نفسه وافتضح في أمره . وقد ضبط النقل بعض هذه المعارضات والمناقشات ، فهذا مسيلمة عارض سورة الفيل بقوله : « الفيل ما الفيل وما أدريك ما الفيل له ذنب وبيل وخرطوم طويل » وفي كلام له في الوحي يخاطب السجاح النبية « فنولجه فيكن إيلاجا ، ونخرجه منكن إخراجا » فانظر إلى هذه الهذيانات واعتبر .