الثالث : أنّ الشهوات النفسانيّة ومشتهياتها من الأمور ، أعني غرائز الشهوة ومتعلّقاتها في الخارج الّتي توقع العبد في الضلالة والزلل عن طريق الهدى كلّها من قبل اللّه تعالى ، وقد أعطاه القدرة في إيجاد أيّ عمل يريده من الحسنات أو السيّئات لأجل الفتنة والامتحان ؛ ليبلوه في هذه النشأة . فحيث إنّ تلك الغرائز الّتي مثلها مثل بعض أجزاء العلّة لإتمامها من ناحيته تعالى صدق بنحو من الصدق : أنّ الإضلال من اللّه تعالى وإن كان وقوع العبد في الضلالة باختياره وإرادته ، ويشهد لصدق الإضلال مع عدم إرادة وقوع الغير في الضلالة قوله تعالى حكاية عن إبراهيم في سورة إبراهيم : 36 :
رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ ،
مع أنّ وقوعهم في الضلال كان بإرادة أنفسهم لا محالة ، وإلّا فالأصنام ليست إلّا خشبا مسنّدة فاقدة للإدراك ، لا يمكن وقوع العباد في الضلال بإرادة الأصنام .
ومحصّل هذا الوجه : كون شرائط فعل العبد الّتي هي جزء من العلّة التامّة من ناحية اللّه تعالى .
ويدلّ على ثبوت الأمر بين الأمرين أيضا قوله تعالى في الأنفال : 17 :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
فإنّها صريحة في إسناد الرمي إلى نفس العبد لقوله تعالى :
إِذْ رَمَيْتَ
وإن كانت متضمّنة لسلب الاستناد عنه أيضا بقوله تعالى :
وَما رَمَيْتَ
فهي تدلّ على مذهب الأمر بين الأمرين .
جملة ممّا ورد عن المعصومين عليهم السّلام في نفي الجبر والتفويض ، وثبوت الأمر بين الأمرين :
أصول الكافي كتاب التوحيد ، باب الجبر والقدر ج 1 ص 157 - 160 :
الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن الحسن بن عليّ الوشّاء ، عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام ، قال : سألته فقلت : اللّه فوّض الأمر إلى العباد ؟ قال : « اللّه أعزّ من ذلك » قلت : فجبرهم على المعاصي ؟ قال : « اللّه أعدل وأحكم من ذلك » ، وقال : ثمّ قال : « قال اللّه يا ابن آدم ! أنا أولى بحسناتك منك ، وأنت أولى بسيّئاتك