إبليس وغيره فهو غير مسلوب الاختيار ، وقد أعطاه اللّه تعالى قدرة الإيمان والكفر ، وقوّة المعرفة والتمييز ، وجعل آيات الهداية وبراهين التوحيد بمعرض نظره ومرأى بصره ، فليس ضلال العبد من ناحية اللّه وإن كان له تعالى قوة قاهرة على عباده ، ولو شاء لهدى الناس جميعا ، وقهر عليهم بالهداية طوعا أو كرها ، إلّا أنّه تعالى حيث سهّل على عبده طريق الهداية ، وأعطاه أسبابها ، وجعله مختارا في الاهتداء وعدمه ، كان للّه المنّة عليه وإن اختار الضلال وترك الاهتداء ، مثله أنّ من أعطى فقيرا درهما ليشتري به الخبز فاشترى به سمّا فأكله وقتل به ، لم يكن لمعطي الدرهم لوم في ذلك ، بل له المنّة على الفقير حيث أعطاه الدرهم .
ومنها : ما دلّ على نفي القوّة والقدرة عن غير اللّه جلّت عظمته ؛ كقوله تعالى شأنه في الكهف : 39 :
لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ .
ولا تنافي بين هذا المعنى وبين اختيار العبد وقدرته على فعله ، فإنّه إذا لوحظ في قبال القدرة الربوبيّة يكون عاجزا محضا لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرّا ، وإذا لوحظ في طول قدرته تعالى ، وأنّ اللّه قد أعطاه القدرة والقوّة ، وأنّ قدرته من آثار قدرته تعالى ، يرتفع التنافي بين ثبوت القدرة للعباد ومفاد قوله تعالى :
لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ .
وقد دلّ على ثبوت القدرة للعباد من كلامه تعالى آيات ؛ كقوله عزّ من قائل في الكهف : 29 :
فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ ،
وفي الروم : 44 :
مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ،
وفي النمل : 4 :
وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ .
ومنها : ما دلّ على أنّ النفع والضرر بيد اللّه ؛ كقوله تعالى في الأعراف : 188 :
قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ ،
والمراد منه بملاحظة نحو قوله تعالى في الكهف : 29 :
فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ ،
وفي البقرة : 231 :
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ،
مع ملاحظة نحو قوله تعالى في الأنعام : 112 :
لَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ ،
والآية : 137 :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ ،
أنّ العبد قد