تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معجم المحاسن والمساوئ — صفحة 442

مساهمون:

ص٤٤٢
أعطاه اللّه قدرة الفعل ، يؤمن إن شاء ويكفر إن شاء ، إلّا أنّ اللّه تعالى لو أراد المنع عنه لم يقدر العبد على فعل ما أراده وينسلب عنه القدرة ، وسيجيء أنّ هذا أحد وجوه الأمر بين الأمرين . في الأمر بين الأمرين : اعلم أنّ المستفاد من مجموع الطائفتين المتقدّمتين من الآيات الكريمة على تعدّد أنواعهما : أنّ ما يصدر من العبد له جهتان ؛ فمن إحدى الجهتين : يستند إلى العبد لكونه صادرا عنه باختياره وإرادته ، وهو واضح بحسب الآيات المتقدّمة ، والقرآن مشحونة من إسناد الأفعال إلى الناس . ومن الجهة الأخرى له ارتباط بالساحة الربوبيّة سبحانه وتعالى ، وقد عرفت الآيات الكثيرة الدالّة على نسبة الهداية والإضلال إليه تعالى . وأمّا كيفيّة الارتباط فهي على ما يستفاد من الآيات على أحد من الوجوه الثلاثة : الأوّل : أنّ وجود العبد وما يصدر به عند الفعل من الجوارح والجوانح من ناحية الخلّاق المتعال جلّت عظمته ، وقد أعطاه اللّه قدرة فعل الخيرات والشرور ليوصل نفسه إلى أعلى درجات العلّيّين الّتي لا يصل إليها إلّا بالاختيار . فإذا صدر من العبد فعل فالعلّة لتكوّن الفعل هو العبد ، واللّه تعالى علّة لتكوّن نفس العبد ولآلاته وقدرة اختياره للفعل والترك ، فهو علّة بعيدة لتكوّن الفعل . الثاني : أنّ قدرة البارئ جلّت عظمته محيطة بأفعال العباد ، فإن شاء منعهم عمّا يختارون من الأفعال وأوقعهم في غيرها ، قال اللّه تعالى :
فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ،
فهو جلّت عظمته حيث خلق هذه النشأة لأجل الامتحان ، فقال عزّ من قائل :
خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ،
فلم يمنعهم عمّا يختارون من الكفر والإيمان ، وجعلها في حبالة مشيّتهم ، فقال تعالى في الكهف : 29 :
فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ .
وملخّص هذا الوجه : ارتباط أفعال العباد إليه تعالى من حيث عدم المانع ، وعدم معارضتهم بنقيض ما يريدون .