قال في « الأسفار » ج 3 ص 225 : كما أنّ لعلمه تعالى مراتب فكذا الإرادته ومشيّته .
فصدر عنه تعالى كلّ واحد واحد من تلك الوجودات لتعلّق المشيّة به ، فكلّ واحد منها صدر عنه تعالى من حيث تعلّق المشيّة به ، لا من حيث تعلّق المشيّة بغيره .
فينطبق على قاعدة « لا يصدر من الواحد إلّا الواحد » لما عرفت من أنّ معناها : أنّه لا يصدر من الحيثيّة الواحدة إلّا الواحد ، لا أنّه لا يصدر من الفاعل الواحد إلّا الواحد حتّى مع تعدّد الحيثيّات .
وبالجملة إنّ قاعدة « الواحد لا يصدر منه إلّا الواحد » لا تقتضي استحالة صدور غير الواحد من الموجودات عنه تعالى بلا واسطة ، لوجوه :
الأوّل : إنّ قاعدة الواحد ، لا تقتضي استحالة صدور الأفعال الكثيرة من الفاعل الواحد ، وإنّما تقتضي استحالة صدورها من جهة واحدة ، كما بيّنّاه فلو كان لكلّ واحد من الأفعال الكثيرة جهة صدور تخصّه - وهي علمه تعالى بكون وجوده دخيلا في تحقّق النظام الأتمّ - اقتضت صدوره من الفاعل الواحد ، لصدرت الأفعال الكثيرة من الفاعل الواحد ، من غير استلزام محال .
الثاني : كفاية تعدّد الحيثيات عنوانا ومفهوما وان كانت جميعها متّحدة وجودا باعتراف القائلين بوحدة الصادر منه تعالى بلا واسطة ، كما تقدّم بيانه .
الثالث : إنّه قد ثبت أنّ وجود الواجب جلّت عظمته ، هو الوجود المطلق ، فوجوده غير متناهي المرتبة لا ينسلب عنه مرتبة من الوجود . ومن المعلوم شمول المرتبة الأعلى على جميع ما دونها من المراتب ، لاشتمال الشديد في مراتب التشكيك على المراتب الضعيفة بالبداهة .
فالمرتبة الوجوديّة لكلّ موجود ، موجودة في وجود الواجب تعالى عارية من الأعدام الحافّة بها بنحو أعلى وأبسط « 1 » .
هامش
( 1 ) وهذا هو المراد من قولهم « بسيط الحقيقة كلّ الأشياء » لا ما توهّمه بعض المتصوّفة - العياذ باللّه - من اتّحاده مع الأشياء بالوحدة الشخصيّة ، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا . -