المشّائين والإشراقيّين ذكروا في وجه صدور الكثرة عن العقل الأوّل أمورا .
أمّا المشّائيّون فذكروا في وجهه :
1 - إنّ العقل الأوّل ممكن الوجود بنفسه ، وواجب الوجود من ناحية البارئ تعالى .
2 - إنّ العقل له ماهيّة ، ووجود .
3 - إنّه يعقل نفسه ، ويعقل البارئ جلّت عظمته .
فمن احدى الحيثيّتين صدر عنه العقل الثاني ، ومن الحيثيّة الأخرى صدر عنه الفلك الأوّل ، كما في « الإشارات » لشيخ المشّائين أبي عليّ سينا ( ج 3 ص 243 - 249 ) .
وأمّا الإشراقيّون فذكروا في وجهه :
إنّ العقل الأوّل له إشراق ، وشهود لذات البارئ جلّت عظمته . فيحصل من إشراقه عقل ، ومن شهوده عقل آخر ، كذلك العقول المتوالية بعده يحصل من إشراقاتها عقول ، ومن شهوداتها عقول أخرى : ويحصل من كلّ عقل حصل من الشهود نوع طبيعي من أنواع عالم الطبيعة ، كما في « حكمة الإشراق » لشيخ الإشراقيّين السهروردي ، نقله عنه في « المنظومة » ص 194 .
أقول : من الواضح أنّ الحيثيّتان متّحدتان في الوجود خارجا وإنّما تعدّدتا في المفهوم ، كيف ولو كانتا متعدّدتين في الوجود الخارجي ، لكان صدور العقل الأوّل عن الواحد جلّت عظمته مناقضا لقاعدة الواحد لا يصدر منه إلّا الواحد ، الّتي تمسّكوا بها لإثباته .
فإذا ثبت كفاية التعدّد مفهوما في صدور الكثير عن الواحد ، فلا وجه لإنكارهم صدور الكثرات عن ذات البارئ جلّت عظمته بلا واسطة ، لصدق مفاهيم مختلفة كالعلم والقدرة والإرادة وغيرها على ذاته تعالى في عين وحدتها جميعا في الوجود . بل العلم التفصيلي بالوجودات ينحلّ إلى مفاهيم عديدة بعدد الموجودات ، فالعلم بكلّ موجود غير العلم بموجود آخر ، وكذا الإرادة والمشيّة
معجم المحاسن والمساوئ — صفحة 405
مساهمون: الشيخ أبو طالب التجليل التبريزي
ص٤٠٥