تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 458

مساهمون:

ص٤٥٨

هل أسلم القبط فرارا من الجزية ؟

وفي هذا المقام ، لا بد من تفنيد ما زعمه بعض المؤرخين ، أن قبط مصر دخل كثير منهم في الإسلام فرارا من قسوة الجزية ، وهذا زعم مبعثه تعصبهم على الإسلام من ناحية ، واستكبارهم أن يعترفوا بأن المسلمين الفاتحين لم يرغموا أحدا على اعتناق دينهم من ناحية ثانية ، فراحوا يدّعون أن المسلمين كانوا يخافون من تناقص ما يجبون من جزية ، ويخشون أن تضيق خزانة الأموال الحكومية عن أعطيات الجند والعمال ، فأرهقوا القبط بما فرضوا عليهم من مال . وفي تعليلهم مغالطة تجافي الحق والواقع ، لأن الضريبة التي فرضها المسلمون على القبط كانت دينارين في السنة عن كل رجل قادر ، وكان يعفى منها العاجزون والشيوخ والنساء والصبيان . وهذا قدر ضئيل بالقياس إلى ما احتمل القبط من إعنات الرومان وجشعهم . أما إسلام كثير من القبط فلا ننكره ، وإنما نرده إلى معرفتهم بسوء الحالة الدينية ، وإلى اضطهاد الرومان لهم ، يقول المؤرخ القبطي ( يوحنا النخيوي ) : إن المسيحيين الملكيين أسرعوا إلى الدخول في الإسلام ، لأنهم كرهوا أن يدينوا في أحكام ونظم زواجهم وطلاقهم للكنيسة التي تعاديهم ويعادونها . ويشبه الطائفة الملكية أناس في حكمها كالطائفة النسطورية والآرية ومن يقول بالمشيئة الواحدة ولا يقول بالطبيعة الواحدة ، كما يقول القبط ، ولا بالطبيعتين على النحو الذي يدين به الملكيون « 1 » فالذين أسلموا من قبط مصر بعد الفتح إنما أسلموا طوعا ، غير مكروهين على ترك مذهب أو نحلة . وهم على رواية يوحنا النخيوي طائفة الملكيين الخلقيدونيين ، ومن يشابهها من الطوائف التي لا تقول بالطبيعة الواحدة ، ويضاف إليهم أناس من الذين فهموا من انتصار المسلمين على الفرس والروم أنه آية إلهية ، وبرهان من السماء على صحة الدين الإسلامي وسلامة الدعوة ، ويضاف إليهم كثير ممن هان عليهم دينهم في محنة الشقاق ومحنة الأخلاق ، فلم يبالوا على أي دين أصبحوا بعد الشك والريبة ، ثم فضلوا الدين الذي يعتنقه ولاة الأمر وحكام البلاد .
هامش
( 1 ) والأصل في هذا ، أن السادة الحاكمين كانوا يقبلون الخلط بين الطبيعة الإنسانية والطبيعة الإلهية على صورة من الصور . والرعايا الساخطون على السيطرة الأجنبية كانوا ينفرون من قبول الخلط بين الطبيعة الإنسانية والإلهية ، ويرفضون جواز الصفة الإلهية على الآدميين . وكان القبط أشد الأمم إنكارا للقول بالطبيعتين .