تزال الأموال كثيرة ، فأمره أن يزوج أبكار النساء أبكار الرجال . فكتب إليه أنه قد فعل ، وبقي مال فكتب إليه أن يقوي أهل الذمة على العمارة ، ويجعله سلفا عليهم .
مظاهر العدالة والسماحة في فرض الجزية وجبايتها :
كثيرا ما ردد المغرضون والمتحذلقون ، أن الجزية إذلال وقهر ، وعدوان على الملك والمال . ونسي هؤلاء أو تناسوا ، أن الإسلام راعى في فرض الجزية وفي جمعها ، ما يتفق مع سموه من عدالة ورحمة وسماحة .
- 1 -
فقد كانت الجزية يسيرة صغيرة لا إرهاق فيها ، وأي إرهاق في أن يدفع الفرد الغني في كل عام 48 درهما والمتوسط 34 درهما ، والفقير 12 درهما . وهذا هو القدر الذي استقر عليه التشريع بعد اتساع الفتوح . أما قبل ذلك في عهد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فإن الجزية لم تكن محددة المقدار ، بل كان تقديرها متروكا لهما حسب مقدرة المهزومين وحالهم والتراضي معهم . فالنبي أخذ الجزية من يهود بنجران وبالبحرين وبغيرهما ، وأخذها من نصارى أيلة ثلاثمائة دينار في كل سنة ، وأن يضيفوا من يمر بهم من المسلمين ثلاثا ، وألا يغشوا مسلما . وأخذها كذلك من نصارى اليمن دينارا من كل بالغ ، وصالح نصارى نجران على ألفي حلة في صفر وألفين في رجب ، ومع كل حلة أوقية من الفضة ، وأن عليهم ثلاثين درعا ، وثلاثين قرشا ، وثلاثين بعيرا ، إن كان باليمن حرب ، وأمنهم على بيعهم وقسسهم ودينهم ما لم يحدثوا حدثا أو يأكلوا الربا ، وفرض على كل بالغ بالبحرين من الذميين دينارا .
وكانت الجزية في أي بلد مفتوح دينارا واحدا عن كل بالغ كاسب ، كما كان الحال في الشام إلا في قليل من البلدان ، إذ كان يزاد على الدينار جريب حنطة . فلما اتسعت الفتوح في عهد عمر حدد قيمتها ، ثم تغيرت القيمة فقدرت حسب مقدرة الدافعين ، فكانت في السنة على الغني 48 درهما ، وعلى متوسط الحال 34 درهما ، وعلى الفقير الكاسب 12 درهما - أي إن الغني كان يدفع في العام دينارين اثنين .
وفي مصر ، فرض عمرو بن العاص دينارين في كل سنة ، على كل رجل من أهل الذمة ، واستثنى من ذلك الشيوخ والنساء والصبيان .