الناس اختلاطا بالمسلمين ومعرفة بأحوالهم ، فهم أقدرهم على مباغتة المسلمين وتمهيد السبيل لحربهم والمظاهرة عليهم ، فالسيف أجدى في معاملتهم ، وإذا فالحكمة تقضي بمحاربتهم حتى يسلموا ، وهم المقصودون بالناس في قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « وأمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه ، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ، فإذا قبلوا مني ذلك عصموا دماءهم وأموالهم إلا بحق اللّه ، وحسابهم على اللّه » .
فالمراد بالناس هنا مشركو العرب ، لأن غيرهم من أهل الكتاب والمشركين يقاتلون حتى يؤدوا الجزية أو يسلموا .
بقي شيء آخر ، أن الجزية كانت قد فرضت في السنة الثامنة للهجرة بعد غزوة تبوك ، وفي هذا الوقت كان النبي قد فتح مكة ، وكان عرب الجزيرة قد أسلموا ولم يبق فيهم مشرك يعلن إشراكه حتى تؤخذ منه الجزية .
ولم يأخذ النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الجزية من يهود خيبر ، لأنه كان قد صالحهم على أن يقرهم في أرضهم ليزرعوها مناصفة قبل غزوة تبوك بثلاث سنين . ولم تكن الجزية قد نزلت بعد ، فمعاهدة صلحهم وإقرارهم في أرضهم كانت سابقة على فرض الجزية .
فيم تنفق ؟
هذه الجزية التي يجمعها الحاكم ، ويشفع إليها الخراج والعشور - كما نبين - أين يذهب بها ؟ وكيف يتصرف فيها ؟
أيحتكرها لنفسه ؟
أيختص بها ذوي قرباه ؟
أيقصر النفع بها على المسلمين وحدهم ؟
لا ، إنما ينفق الخراج في المصالح العامة للدولة ، ويدخل في هذا إصلاح حال المسلمين ، وأرزاق الموظفين والولاة والقضاة وأهل الفتوى من العلماء ورجال الجيش ، وتعبيد الطرق وعمارة المساجد والرباطات والقناطر والجسور وإصلاح الأنهار . . . وما إليها . ومن هنا نعلم ، أن المرافق العامة ينتفع بها المسلمون وغيرهم ، على أن أهل الذمة كانوا ينتفعون أيضا بهذا المال انتفاعا لا يدخل في نطاق المرافق العامة . فقد كتب والي العراق إلى عمر بن عبد العزيز ، يخبره أنه قد اجتمعت عنده أموال عظيمة ، فأمره أن يوسع بها على المسلمين وذراريهم ، فكتب إليه أنه قد فعل وما