تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 454

مساهمون:

ص٤٥٤
صاغِرُونَ
« 1 » . ومعنى هذا ، أن المسلمين مأمورون بقتال أعدائهم إذا حدث منهم ما يوجب قتالهم ، كأن يعتدوا على ديار المسلمين ، أو على أشخاصهم أو أموالهم ، أو يدبروا المؤامرات لتهديد سلامتهم وتعويق دعوتهم وفتنتهم عن دينهم ، والمسلمون مكلفون أن يقاتلوا هؤلاء الأعداء حتى يأمنوا شرهم ، ولا سبيل إلى هذا إلا بالغلب وفرض الجزية . وفي الآية الكريمة تقييد لهذه الجزية ، بأن تكون عن مقدرة من الدافعين بحيث لا يظلمون ولا يرهقون ، وبأن يكون الغرض منها الاقرار بالخضوع . إن المتدبر في المقاصد العامة الإسلامية ، لا يشك في أن قتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية ، ليس لغرض تمتع أولياء الإسلام ولا المسلمين من متاع الحياة الدنيا واسترسالهم وانهماكهم في الشهوات على حد المترفين من الملوك والرؤساء المسرفين من أقوياء الأمم . وإنما غرض الدين في ذلك أن يظهر دين الحق وسنة العدل وكلمة التقوى على الباطل والظلم والفسق ، فلا يعترضها في مسيرها اللعب والهوى ، فتسلم التربية الصالحة المصلحة من مزاحمة التربية الفاسدة المفسدة حتى لا ينجر إلى أن تجذب هذه إلى جانب ، وتلك إلى جانب ، فيتشوش أمر النظام الإنساني ، إلا أن لا يرتضي واحد أو جماعة التربية الاسلامية لنفسه أو لأنفسهم فيكونون أحرارا فيما يرتضونه لأنفسهم من تربية دينهم الخاصة على شرط أن يكونوا على شيء من دين التوحيد ، وهو اليهودية أو النصرانية أو المجوسية ، وأن لا يتظاهروا بالمزاحمة ، وهذا غاية العدل والنصفة من دين الحق الظاهر على غيره .

ما الجزية ؟

الجزية : هي عطية مالية مأخوذة منهم ، مصروفة في حفظ ذمتهم وحسن إدارتهم ، ولا غنى عن مثلها لحكومة قائمة على ساقها ، حقة أو باطلة . والمراد بالصغار في قوله تعالى :
حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ
« 2 » هو الخضوع للسنة الإسلامية والحكومة الدينية العادلة في المجتمع الإسلامي ، فلا يكافئوا
هامش
( 1 ) سورة التوبة ، الآية 29 . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية 29 .
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 454 | السيد حسن القبانچي