قتلهم أو تعذيبهم على هذا زلفى إلى اللّه ، واستمر الهوس من سنة 581 إلى 859 م .
وكان القضاة المسلمون يحكمون عليهم آنا ، ويصمون آذانهم حتى لا يسمعوهم فيحكموا عليهم أحيانا ، وكان المسلمون مشفقين على هؤلاء المجانين الذين لا يقابلون الحسنى بمثلها ، ولا يرعون حرمة الإسلام ، كما يرعى المسلمون حرمة المسيحية .
( الإسلام ، الكونت هنري دي كاستري ) .
ولقد يعجب المؤرخون من سرعة انتشار الإسلام حتى بلغ نهر اللوار في فرنسا ، ويتساءلون عن مصير أوروبا لو لم يقف شارل مارقل في وجه المسلمين في سهل بواتييه . والحق أن السؤال معكوس ، إذ الأولى أن يتساءلوا : ما ذا كان مصير أوروبا المسيحية لو كان المسلمون متعصبين لدينهم ؟ ذلك أن هزيمة المسلمين في بواتييه ليست سببا فعالا في تعويق الإسلام عن الانتشار ، ولم تكن هزيمة واحدة في الحرب ، لتنتج هذه النتيجة الكبرى ، فالعادة أن الحرب سجال وكثيرا ما جبرت الهزيمة بنصر مؤزر ، وإنما السبب الأول في ذلك « هو تطرف المسلمين في المحاسنة ، لأنها سهلت العصيان للعصاة ، ومهدت لبعض الأسر المستقلة في المغرب الخروج على الجامعة في بلاد الأندلس وبلاد المغرب ، وانتهى الأمر - مع المحاسنة - إلى انحلال عناصر المملكة العربية . ومن المرجح أن المسلمين لو عاملوا الأندلسيين ، كما عامل المسيحيون الأمم السكسكونية و ( الواندية ) لأخلدت إلى الإسلام واستقرت عليه لأنها كانت - مع تمتعها بحرية دينها المسيحي - كثيرة الانشقاق والأحزاب » ( الإسلام . الكونت هنري دي كاستري ) .
ب - وأما اليهود فقد كانوا قبل الفتح الإسلامي يرزحون تحت عسف القوط ، وظلوا على ذلك زمنا طويلا ، إلى أن دخل المسلمون الأندلس ، فخلصوهم من هذا الاضطهاد ، وسمحوا لهم بحرية التجارة التي كانت محظورة عليهم من قبل ، وأباحوا لهم أن يمتلكوا ، بعد أن كانت الملكية محرمة عليهم ، ولهذا نهضوا واشتهر منهم كثير بالعلم والأدب بعد أن استنشقوا نسيم الحرية . ولما اضطهدت أوروبا اليهود لجؤوا إلى المسلمين بالأندلس في قرطبة ، على أنه لما دخل الملك ( كارلوس ) سرقسطة أمر جنوده بهدم جميع معابد اليهود ومساجد المسلمين . ونحن نعلم أن المسيحيين أيام الحروب الصليبية ما دخلوا بلادا ، إلا أعملوا سيوفهم في يهودها ومسلميها .
وذلك يؤيد أن اليهود إنما وجدوا مجيرا وملجأ في الإسلام ، فإن كانت لهم باقية حتى اليوم فالفضل فيها راجع لمحاسنة المسلمين ولين جانبهم ، لا إلى ما بين الاثنين
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 448
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٤٤٨