بعض ما احتملوا في العهد المسيحي للدولة من عذاب أليم . فقد أمر الإمبراطور فوقاس ( 602 - 610 م ) بعزل المصريين من الحكومة ، وإجبارهم على طاعة الكنيسة الرسمية في القسطنطينية . ولم يكونوا في عهد خلفه هرقل ( 610 - 641 م ) أسعد حالا ، ولا أهدأ بالا ، لأن النزاع بينهم وبين الأمبراطورية كان على أشده ، وتبادل الفريقان تهمة الكفر والخيانة ، وكانت أيسر تهمة لمخالفي مذهب الإمبراطور ، أنهم وثنيون خونة .
فلم يكن عجبا أن رحب القبط بالمسلمين الفاتحين ، ولا غرابة في قول المؤرخ المسيحي ( ميخائيل السوري ) : إن اللّه المنتقم الجبار ، أتى بأبناء إسماعيل من الصحراء لينقذوا الأمم من عسف الروم ومن عسف الرومان .
- 3 -
ولقد لقي سكان الأمبراطورية البيزنطية مثل ما لقي سكان مصر من عسف الإمبراطور ( جستنيان ) الأول ( 527 - 565 م ) فقد كان شديد القسوة في معاملة من يدينون بمذهب الكنيسة الملكانية . ويمكن تلخيص آرائه عن الحكومة في هذه العبارة الموجزة : حكومة واحدة ، وقانون واحد ، وكنيسة واحدة . وعلى الرغم من أن مخالفي مذهبي الكنيسة الرسمية كانوا يؤدون ما يؤديه المواطنون من ضرائب وواجبات ، فقد حرم عليهم التمتع بالحقوق التي يتمتع بها أتباع الكنيسة الرسمية ، وحرم عليهم الاشتغال بالمهن الحرة ، بل أمر بهدم كنائسهم وحظر عليهم الاجتماعات العامة ، وأمر بألا تقبل شهادتهم القانونية على الأرثوذكس ، وبأن تصير وصاياهم باطلة ، وبألا يرثوا ولو كان الميراث بوصية اختيارية ( الإمبراطورية البيزنطية ) ، واستحال النظام الكنسي إلى عسف ثقيل ظالم على رجال الكنيسة العامة ، حتى لقد انفجرت ثورة سنة 532 م على الدولة وعلى الكنيسة معا ، ولم تقمع إلا بعد أن ذبح خمسة وثلاثون ألفا . وبسبب هذا العسف وضع جماعة المتذمرين احتجاجا قويا في ناديهم على اضطهاد الإمبراطور ، ونادوا قائلين : لقد فقد العدل من الدنيا ولن يعود . أما نحن فسنتهود ، بل سوف نعود إلى الوثنية الإغريقية . ( انتشار الإسلام ) .
- 4 -
كذلك نكلت الدولة الرومانية باليهود ، فهدمت هيكل سليمان وطردتهم من بيت المقدس ، وطاردتهم في البلاد الخاضعة لها ، وأجبرتهم على عبادة الإمبراطور قبل أن تعتنق الدولة المسيحية ، ثم أكرهتهم على المسيحية بعد ذلك . وحسبنا أن نذكر ما حل بهم قبيل الفتح الإسلامي لمصر ، فقد طردهم الإمبراطور فوقاس ( 602 - 610 م ) من
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 446
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٤٤٦